خلال فترة الحكم الاستعماري البريطاني لفلسطين (1917-1948)، مُنحت سلسلة من العقود الكبرى للشركات الصهيونية. وقد شكلت هذه العقود عنصراً أساسياً في المشروع الصهيوني، إذ سمحت بوضع اليد على الموارد الطبيعية التي تدرّ أكبر قدر من الربح في فلسطين، وعلى الإنتاج الصناعي، وتوفير الخدمات الأساسية - وهو عامل حاسم في احتلال الحركة الصهيونية فلسطين في سنة 1948. وبعيداً عن أن يكون حَكَماً محايداً، بدأ النظام البريطاني حكمه لفلسطين، وهو يخطط بوضوح لمنح مثل هذه العقود للشركات الصهيونية كجزء من نهجه الأوسع نطاقاً في "التنمية الاستعمارية".
استند الفكر الصهيوني منذ بداياته، من
الصهيونية ودورها كعميل للإمبريالية البريطانية
كان النهج البريطاني في التنمية الاستعمارية في فلسطين يتضمن تسلسلاً هرمياً عرقياً راسخاً يرى اليهود على أنهم "وسطاء" مجتهدون ومنتجون للإمبراطورية، بينما كان يُنظر إلى العرب بازدراء واستخفاف باعتبارهم "متخلفين" و"تقليديين". ويمكن رؤية ذلك في قول
ومع بدء الانتداب البريطاني، أُسندت سلسلة من عقود التنمية إلى الشركات الصهيونية، وهو ما سمح لبريطانيا بتركيز إنفاقها الاستعماري على الأمن والبنية التحتية والشرطة. وكثيراً ما علق المسؤولون الاستعماريون العاملون في فلسطين على انتفاء صفة الإنصاف عن طبيعة هذا الترتيب، وأبلغوا رؤساءهم في
تحويل حيفا إلى مركز للتنمية الاستعمارية
في بدايات الانتداب البريطاني، صارت مدينة حيفا الساحلية بمثابة النقطة المركزية للتنمية الاستعمارية في فلسطين. وبحلول أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، كانت المدينة موقع أكبر ميناء إمبراطوري بريطاني في الشرق الأوسط، فضلاً عن توفير منفذ على البحر الأبيض المتوسط لخط أنابيب النفط المنطلق من حقول النفط في شمال العراق . وسرعان ما صارت مدينة حيفا العربية الفلسطينية في الأصل، هدفاً للمطامع الصهيونية مع توافد المقاولين إلى الميناء سعياً للحصول على عقود بريطانية.
ومع توسع حيفا في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، عمل المقاولون ورجال الأعمال اليهود بالتشاور والتنسيق الوثيق مع مخططي الحكومة البريطانية. وشهد رجال الأعمال الصهيونيون ارتفاعاً كبيراً في قيمة أصولهم عندما سمحت الحكومة ببناء مصفاة النفط الجديدة في منطقة خليج حيفا
. وكانت الأراضي في هذا الجزء من المدينة مملوكة في المقام الأول لمؤسسات يهودية - شركة تطوير خليج حيفا
، و
وفي أماكن أُخرى من المدينة، كانت الصناعات اليهودية مثل مصنع إسمنت نيشر
لا غنى عنها لتنفيذ المشاريع الإمبريالية البريطانية. فقد أسس رجل الأعمال اليهودي
اعتمدت جميع مكوِّنات المجمع الصناعي في حيفا على إنتاج الكهرباء. ولتحقيق هذه الغاية، كانت شركة كهرباء فلسطين
التي يديرها رجل الأعمال الروسي اليهودي
احتج الفلسطينيون العرب بشدة على احتكار روتنبرغ إنتاج الكهرباء في فلسطين، لكن الحكومة البريطانية رفضت شكاواهم كلها على أساس أن اليهود الأوروبيين وحدهم قادرون على دفع عجلة تحديث البلاد إلى الأمام. وفي حيفا، كانت شركة كهرباء فلسطين التابعة لروتنبرغ حاضرة في كل مرحلة من مراحل تخطيط الميناء وبنائه وتطوير المنطقة المحيطة به، عبر تزويد جميع الأعمال التي تم تنفيذها خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بالطاقة. وبحلول سنة 1934، أنشأ روتنبرغ محطة أكبر بكثير، تُعرف باسم
مشروع البحر الميت
كان البحر الميت
عنصراً حيوياً في المساعي البريطانية الصهيونية لاستغلال الموارد الطبيعية في فلسطين. وبعد أن طمع المكتب الاستعماري لفترة طويلة بالمنطقة باعتبارها مصدراً محتملاً للمعادن الصناعية، قرر مرة أُخرى إسناد خطط تطويره إلى شركة صهيونية، ومنح الامتياز هذه المرة لرجل أعمال يهودي روسي آخر هو
منذ البداية، عارض العرب الفلسطينيون بمختلف مكوناتهم منح امتياز البحر الميت. ففي عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، كانت السيادة على الموارد الطبيعية جزءاً أساسياً من المطالب الوطنية العربية في فلسطين وفي دول أُخرى في الشرق الأوسط. وكما يتضح من الرسم الكاريكاتوري على الصفحة الأولى من جريدة فلسطين
، كان منح بريطانيا عقوداً للمؤسسات الصهيونية مسألة مركزية احتج عليها المثقفون والمعارضون الفلسطينيون للاستعمار. إذ يصور الرسم الكاريكاتوري على خريطة جريدة فلسطين تحت عنوان "بلفور وما جره وعده المشؤوم من الويلات على فلسطين"، الويلات العشر الكبرى التي نجمت عن دعم بريطانيا للصهيونية، بما في ذلك مشروع كهرباء روتنبرغ (أعلى اليسار)، والمصانع اليهودية في حيفا (أسفل اليسار)، ومسؤول استعماري يمثل الإمبراطورية البريطانية (وسط اليسار). ويظهر بوضوح عند الرقم (6) في الزاوية اليمنى العليا من الخريطة مشروع البحر الميت. وكما يوضح التعليق العربي بشأن مشروع البحر الميت، فإن شركة
وعلى الرغم من الاحتجاجات الدولية والمحلية التي أعقبت منح امتياز البحر الميت، فإن بريطانيا مضت قدماً في تنفيذ مشروع نوفوميسكي. ورفض النظام الاستعماري البريطاني جميع الخطط والمشاريع البديلة التي اقترح رجال الأعمال العرب الفلسطينيون تنفيذها. ومن بين هؤلاء رجل الأعمال الفلسطيني إبراهيم حزبون الذي شجّعه البريطانيون في البداية على المضي قدماً بتطوير شركته للنقل في البحر الميت على أمل أن يحصل لاحقاً على امتياز لاستخراج المعادن منه. بيد أن حزبون، ككثيرين غيره من رجال الأعمال الفلسطينيين الآخرين، سرعان ما نُحي جانباً بمجرد أن طرفاً صهيونياً تقدّم بمقترح رسمي.
لقد أدركت بريطانيا بسرعة قيمة المشروع الصهيوني بالنسبة إلى المصالح الإمبريالية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية عندما صارت شركة بوتاس فلسطين المحدودة التي أسسها نوفوميسكي مورداً رئيسياً للمواد الخام الأساسية لجهود بريطانيا في زمن الحرب. وباعتبارها أكبر مورد لبريطانيا من البوتاس والبروم، احتلت فلسطين عندها المرتبة الخامسة في القائمة الإجمالية للدول المصدرة للمواد الكيميائية إلى بريطانيا، وذلك بفضل معادن البحر الميت. وفي الوقت نفسه، كانت حيفا أكبر قاعدة بحرية بريطانية في شرق البحر الأبيض المتوسط، ومركز شبكة السكك الحديد في الشرق الأوسط والمنفذ الساحلي للنفط العراقي. وقد تجاهلت الكتابات المتعلقة بالتاريخ السياسي للصراع، في كثير من الأحيان، الخدمة الذي أدتها الصهيونية لبريطانيا سداداً لرهان هذه الأخيرة عليها منذ وقت مبكر. فبنت شبكة من مشاريع التنمية الاستعمارية التي حمت المصالح البريطانية مع تهميش السكان الفلسطينيين الأصليين.
على المستوى السياسي، انهارت الشراكة البريطانية الصهيونية بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية حين تخلّت بريطانيا في نهاية المطاف عن انتدابها على فلسطين في أيار/ مايو 1948. لكن التحالف الاقتصادي بين الصهيونية والإمبراطورية البريطانية أثبت أنه رصيد دائم وميزة مستمرة لدولة إسرائيل حديثة النشأة. خلال حرب 1948-ّ1949، كانت السيطرة الصهيونية على الأصول الطبيعية الرئيسية لفلسطين، فضلاً عن بنيتها التحتية الأساسية، عاملاً حاسماً في إلحاق الهزيمة بالمقاومة الفلسطينية. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتمركز القوات الصهيونية بكثافة في حيفا، مما سمح لإسرائيل بالوصول إلى مصافي النفط في المدينة، وأكبر ميناء في فلسطين، والمحور المركزي لشبكة السكك الحديد في البلاد. وفي الوقت نفسه، تحول مشروع تطوير البحر الميت إلى أنقاض بحلول نهاية الحرب، لكن لم يمض وقت طويل قبل أن تعيد إسرائيل تأسيس شركة بوتاس فلسطين تحت مسمى أشغال البحر الميت في الطرف الجنوبي منه، لتشكل مصدراً حيوياً للمواد الخام للمجمع الصناعي العسكري للدولة الصهيونية. وهكذا، فإن ما بدأ كتحالف بين الإمبريالية البريطانية والحركة الصهيونية الناشئة، وفّر الأسس الاقتصادية لاستعمار إسرائيل المستمر للأراضي الفلسطينية.
Meiton, Fredrik. “Nation or Industry: The Non-Electrification of Nablus.” Jerusalem Quarterly 80 (Winter 2019): 8–22.
Norris, Jacob. Land of Progress: Palestine in the Age of Colonial Development, 1905–1948. London: Oxford University Press, 2013.
Seikaly, Sherene. Men of Capital: Scarcity and Economy in Mandate Palestine. Redwood City: Stanford University Press, 2015.
Wolfe, Patrick. “Purchase by Other Means: The Palestine Nakba and Zionism’s Conquest of Economics.” Settler Colonial Studies 2, no.1 (2012): 133–71.
محتوى ذو صلة
رسم توضيحي
كاريكاتور: بلفور وما جره وعده المشؤوم من الويلات على فلسطين (جريدة فلسطين)
2 تشرين الثاني 1932