كان الاتحاد السوفييتي
منخرطاً إلى حد كبير في قضية فلسطين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
وحتى انهياره سنة 1991. وعلى مدار هذه السنوات الأربعين، واجه الاتحاد السوفييتي باستمرار معضلة تحقيق التوازن بين راديكاليته الأيديولوجية التقدمية والمناهضة للصهيونية من جهة، ورغبته في تحقيق الاستقرار الإقليمي الذي تطلّب الاعتراف بإسرائيل والحاجة إلى تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي من جهة أُخرى. وكان لدى موسكو
هدف آخر هو مواجهة نفوذ
الاعتراف بدولة إسرائيل الوليدة ومناهضة الصهيونية
يمكن إرجاع جذور هذه المعضلات السوفييتية إلى الفترة التي سبقت سنة 1950. كان الاتحاد السوفييتي على الدوام يعارض
وفي أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، كان
بداية التحول بعيداً عن إسرائيل وفي اتجاه الدول العربية الراديكالية
استمر دعم ستالين لإسرائيل فترة وجيزة. فعندما عُينت غولدا مئير أول سفيرة إسرائيلية لدى الاتحاد السوفييتي في 2 أيلول/ سبتمبر 1948، تجمّع بعد شهر من ذلك أكثر من 50 ألف يهودي في موسكو للمشاركة في احتفالات رأس السنة العبرية ، الأمر الذي أثار شكوك ستالين وهواجسه ومخاوفه حيال اليهود ونفوذهم، وأدى إلى تقليص حقوق اليهود وشن حملة شعواء ضدهم شملت عملية تطهير في صفوف اليهود المثقفين السوفييت وغيرهم من الشخصيات القيادية. كما تدهور الموقف السوفييتي تجاه إسرائيل بعد أن قررت هذه الأخيرة دعم قرار الأمم المتحدة الصادر في27 حزيران/ يونيو 1950 الذي أدان غزو كوريا الشمالية لـكوريا الجنوبية ، وهو الموقف الذي قوَّض سياسة التوازن المدروس التي كانت إسرائيل تتبعها في السابق بين الغرب والشرق. وفي موسكو، صار يُنظَر إلى إسرائيل على نحو متزايد باعتبارها من وكلاء الولايات المتحدة، وازداد الموقف السوفييتي عدائية تجاهها، مما أدى إلى تجميد قصير الأمد للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين من شباط/ فبراير إلى تموز/ يوليو 1953.
بعد وفاة ستالين، انعكس هذا العداء لإسرائيل في تقديم دعم ذي دلالة للعالم العربي. ففي سنة 1955، وافق نيكيتا خروتشوف ، السكرتير الأول الجديد للحزب الشيوعي السوفييتي، على أن تزود تشيكوسلوفاكيا مصر وسوريا بالأسلحة، وهما دولتان أطاحت كل منهما بحكومة مؤيدة للغرب وأقامت نظاماً قومياً عربياً راديكالياً ومعادياً للصهيونية. وقد اعترف الاتحاد السوفييتي بنظاميهما، على أساس ما أطلق عليه منظروه الأيديولوجيون اسم "طريق التطور اللارأسمالي"، باعتبارهما نظامين تقدميين من وجهة نظر موضوعية ويتجهان نحو التحول الاشتراكي على الرغم من معاداتهما الصريحة للشيوعية في كثير من الأحيان.
وأثمر رهان خروتشوف على الدور الراديكالي والمناهض للإمبريالية لهاتين الدولتين، وتعززت هيبة الاتحاد السوفييتي بعد أزمة السويس سنة 1956
عندما أعلن دعمه لمصر وأطلق إنذاراً في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر من ذلك العام بوجوب وقف الأعمال العسكرية، واضعاً "علامة استفهام حول وجود إسرائيل ذاته." وقد عُدَّ هذا الإنذار على نطاق واسع مساهمة سوفييتية في إذلال
من الإصلاح الجذري إلى الحرب
في هذا السياق السياسي، نظر الاتحاد السوفييتي إلى معاداة الصهيونية التي تبنتها الدول العربية الراديكالية بإيجابية على أنها عامل في تسريع الراديكالية الاجتماعية والسياسية على المستوى المحلي. لكن الاتحاد السوفييتي أدرك أيضاً أن ترجمة هذا الخطاب المعادي للصهيونية إلى عمل عسكري قد يكون سابقاً لأوانه وقد يهدد "التعايش السلمي" بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وتحقق أسوأ السيناريوهات جراء الهزيمة الشاملة التي لحقت بالجيوش العربية في الحرب العربية الإسرائيلية في الفترة من 5 إلى 10 حزيران 1967. وعلى الرغم من الجدل الدائر حول ما إذا كان الاتحاد السوفييتي قد دعم بشكل مباشر التصعيد العسكري العربي قبل الحرب، فمن المرجح أن السوفييت أساءوا تقدير الموقف، إذ ساهم الاتحاد السوفييتي في زيادة التوترات بتحذير إسرائيل في 21 نيسان/ أبريل 1967 من أنها "تلعب بالنار" في إثر غاراتها الجوية على القوات السورية. وبعد أربعة أيام، في 25 نيسان، قالت مصادر الاتحاد السوفييتي إن إسرائيل تحشد قواتها على الحدود السورية، وهو ما لم يكن صحيحاً على أرض الواقع. وفي 23 أيار، قبيل اندلاع الحرب، حذرت وكالة
شكلت حرب عام 1967 هزيمة كبيرة للاتحاد السوفييتي وانتصاراً موازياً للولايات المتحدة وللدعم الذي قدمته لإسرائيل. وفي أعقاب الحرب مباشرة، قطع الاتحاد السوفييتي العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، الأمر الذي لم يؤدِّ سوى إلى إضعاف قدرته على فتح قناة اتصال معها والتأثير عليها. لكن مع انتصار إسرائيل، لم يكن أمام الدول القومية العربية من بديل سوى الاعتماد بشكل أكبر على الاتحاد السوفييتي، وخصوصاً لإعادة بناء جيوشها والسعي إلى إيجاد السبل لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل. وخلال حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل في الفترة 1969 – 1971، تدخل الاتحاد السوفييتي عسكرياً لأول مرة، وتولت القوات السوفييتية توجيه وحدات الدفاع الجوي ضد الهجمات الإسرائيلية في العمق المصري.
لقد أدت إعادة بناء السوفييت للجيوش العربية إلى تشجيع مصر وسوريا على المبادرة إلى خوض
لكن النتيجة النهائية للحرب كانت أقرب إلى التعادل منها إلى النصر. وما أن توقف القتال حتى طُرح السؤال بشأن سبل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع. ومن منظور الاتحاد السوفييتي، كان الخطر يتمثل في أن يستنتج العرب أن السبيل الوحيد إلى السلام يمر عبر
وكانت أوساط القيادة السوفييتية نفسها مدركة أنها تفتقر إلى القوة للعمل منفردة للتوصل إلى تسوية سلمية وأنها بحاجة إلى العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف، وفي الوقت نفسه العمل بوتيرة حثيثة ضد الولايات المتحدة إذا سعت واشنطن إلى استبعاد السوفييت من العملية.
نحو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية
أدى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1964 في القدس، وتحت رعاية مصرية إلى ظهور طرف جديد فاعل دفاعاً عن القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من مناشدات زعيمها أحمد الشقيري ، رفض الاتحاد السوفييتي تلبية طلباته بتوفير الدعم السياسي والعسكري لها وهو ما كانت وراءه عدة عوامل. كان الاتحاد السوفييتي طرفاً محافظاً في سياسته الخارجية ويفضل التعامل مع الدول على حساب الجهات الفاعلة غير الدولانية، والتعامل مباشرة مع مصر بدلاً من جهة تابعة لها. كما لم توافق موسكو على موقف الرفض الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية التي سعت إلى هزيمة إسرائيل وإزالتها من خلال الوسائل العسكرية. ورأى صناع السياسات السوفييت أن منظمة التحرير تتعامل مع الأمور من منظار "اليسارية الطفولية" وتفتقر إلى الواقعية. عدا عن ذلك، كانت الإشكالية الأكبر أن المنظمة حظيت بدعم كبير من جانب الصين في عهد ماو تسي تونغ ، العدو اللدود حينها للاتحاد السوفييتي
لقد تغير هذا التقييم بعد حرب 1967 عندما سيطرت الفصائل الفلسطينية المسلحة على منظمة التحرير، وتولت حركة "فتح " دوراً قيادياً فيها. وساهمت شعبية المقاومة الفلسطينية في العالم العربي الأوسع في تليين الموقف السوفييتي تجاه منظمة التحرير. وفي أواخر حزيران 1968، اصطحب الرئيس جمال عبد الناصر ياسر عرفات خلال زيارة قام بها إلى موسكو، وقدّمه إلى الزعماء السوفييت. وكانت أول زيارة رسمية لزعيم المنظمة ياسر عرفات للعاصمة السوفييتية في الفترة من 9 إلى 20 شباط 1970. ومع ذلك، وخلف المجاملات الدبلوماسية، ظل الاتحاد السوفييتي يبدي العديد من التحفظات حيال منظمة التحرير وأهمها افتقارها الملحوظ إلى الاعتدال السياسي، ورفضها النظر في تغيير موقفها تجاه إسرائيل، واعتمادها الحصري على الكفاح المسلح. كما تكونت لدى موسكو نظرة سلبية تجاه الطبيعة غير المتجانسة للمنظمة، بما تضم من فصائل متعددة متنافسة. في ذلك الوقت، تعامل الدبلوماسيون السوفييت سلباً مع الفصائل الماركسية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين ، وعملوا على تشجيع حركة "فتح" التي تبنت خطاً أكثر اعتدالاً على المستوى السياسي.
لم يتغير الموقف السوفييتي تجاه منظمة التحرير الفلسطينية إلاّ بعد حرب 1973. فبالتوازي مع موقف الدول العربية المجتمعة في
لكن عقبات عديدة حالت دون نجاح هذا السيناريو، أبرزها أن وزير الخارجية الأميركي
العقد الأخير قبل الانهيار
منذ أوائل الثمانينيات، تحوّلت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي من الانفراج إلى المواجهة، وخصوصاً بعد قيام هذا الأخير بغزو أفغانستان . وبما أنه لم يكن من المتوقع أن يعمل البلدان على نهج مشترك في الشرق الأوسط، انصب تركيز السوفييت على تعزيز موقف حلفائهم العرب المتبقين المناهض للولايات المتحدة والصهيونية. ومع تحوّل مصر نحو الولايات المتحدة، صارت سوريا حليف السوفييت الرئيسي، وأعطيت الأولوية لتعزيز القدرة السورية على المواجهة. وفي هذا السياق، تراجعت الأهمية النسبية لمنظمة التحرير الفلسطينية وازداد تعاطف السوفييت مع الفصائل الأكثر راديكالية المؤيدة لسوريا داخل المنظمة، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، على حساب حركة "فتح"، التي كان يُنظر إليها على أنها تتجه أكثر نحو "اليمين" مع التخوف من احتمال دخولها في تسوية أو توافق مع الولايات المتحدة. وهذا التراجع في الدعم السوفييتي لمنظمة التحرير يمكننا تلمسه من خلال المقارنة بين الانتقادات السوفييتية الموجهة لسوريا بسبب هجماتها على التحالف الفلسطيني - اللبناني اليساري في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية ، التي تضمنتها رسالة الأمين العام للحزب الشيوعي ليونيد بريجنيف إلى الرئيس السوري حافظ الأسد في11 تموز 1976، وبين الدعم الفاتر الذي لقيه ياسر عرفات من موسكو، بعد سنوات، عندما واجه تمرد "المنشقين" عن حركة "فتح" بدعم من سوريا في سنة 1983. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية، التي فقدت قاعدتها الرئيسية في لبنان بعد الغزو الإسرائيلي في صيف سنة 1982، وبدأت بمغازلة الأميركيين، قد أصبحت أقل أهمية من سوريا بصفتها فاعلاً إستراتيجياً.
لقد تغير كل هذا في النصف الثاني من الثمانينيات. ومع تولي ميخائيل غورباتشوف
منصب الأمين العام في آذار/ مارس 1985، وتبنيه سياسة "البيروستريكا" و"التفكير السياسي الجديد"، تحلت الدبلوماسية السوفييتية بروح تعاونية جديدة مع التوجه للعمل مرة أُخرى مع الولايات المتحدة، وليس ضدها، في السعي لإيجاد حل للصراع العربي- الإسرائيلي. وهذه المرة أثمرت الجهود التي بذلها الاتحاد السوفييتي على امتداد سنوات طويلة لتعديل الموقف السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. ففي 15 تشرين الثاني 1988، في إثر انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني
في
Beinin Joel. Was the Red Flag Flying There? Marxist Politics and the Arab–Israeli Conflict in Egypt and Israel, 1948–1965. Oakland: University of California Press, 1990.
Breslauer, George. Soviet Strategy in the Middle East. London: Routledge, 1990.
Dannreuther, Roland. The Soviet Union and the PLO. Basingstoke: Macmillan, 1998.
Golan Galia. Soviet Policies in the Middle East: From World War II to Gorbachev. Cambridge: Cambridge University Press, 1990.
Karsh, Efraim. The Soviet Union and Syria. London: Routledge, 1988.