Josip Broz Tito and Yasir Arafat
President Josip Broz Tito (left) of Yugoslavia and Palestine Liberation Organization leader Yasir Arafat greet each other. Arafat arrived secretly after midnight for an unannounced official visit and talks with Tito on a wide range of issues affecting the future of the Palestinian movement.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت يوغوسلافيا مملكة تحكمها سلالة صربية تتبنى فكراً قومياً يتقاطع مع الفكر الصهيوني المبكر، وتنظر عموماً بإيجابية تجاه الدعوة إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وبعد الحرب، صارت يوغوسلافيا اتحاداً اشتراكياً، ثم بعد أعوام، قطعت، في إثر حرب حزيران 1967، علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وعبّرت عن تأييدها القوي للقضية الفلسطينية. وفي سنة 1992، تفككت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية، وأعادت الدول التي انبثقت منها صياغة علاقاتها مع فلسطين وإسرائيل. وبينما حافظت جميع الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة على علاقات مع إسرائيل، امتنعت ثلاث منها، هي كرواتيا ومقدونيا الشمالية وكوسوفو، عن الاعتراف بفلسطين.
الروابط بين القومية الصربية والصهيونية
تنحدر عائلة تيودور هيرتسل، مؤسس الحركة الصهيونية، من زيمون التي تُعد اليوم جزءاً من بلغراد. وكان جده وأبوه من أتباع يهودا ألكالاي، الحاخام القادم من سراييفو والذي تُعد فلسفته من الإرهاصات الأولى للفكر الصهيوني. ففي كتابه "شِمَع يسرائيل" (اسمع يا إسرائيل) الصادر في بلغراد سنة 1834، طرح ألكالاي فكرة توحيد الشتات اليهودي في "أرض الأجداد" معتبراً، خلافاً للتفكر اليهودي التقليدي، أن العودة الجماعية للشعب اليهودي إلى أرضه هي الخطوة الحاسمة نحو الخلاص، وأن التجديد الروحي الفردي يتبع ذلك ويتعمق بعده. كانت بلغراد آنذاك عاصمة إمارة صربيا التي حصلت على الحكم الذاتي بعد انتفاضتين وطنيتين ضد الدولة العثمانية. وقد انتشرت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر أفكار الوحدة القومية في سياق موجات اليقظة الوطنية.
كانت مملكة صربيا أول دولة تؤيد رسمياً وعد بلفور، ويعود ذلك إلى الجهد الدبلوماسي الذي بذله ديفيد ألبالا، الدبلوماسي الصربي اليهودي الذي كان يعمل في الولايات المتحدة. وفي تبادل رسائل سنة 1917، أكد السفير الصربي ميلينكو فيسنيتش قبول بلاده التصريح البريطاني، مشيراً إلى أن اليهود سيظلون يشكلون "صلة بين إسرائيل الحرة وصربيا"، في واحد من أوائل الاستخدامات الرسمية لمصطلح "إسرائيل" للدلالة على الدولة التي سيقيمها اليهود.
وبعد الحرب العالمية الأولى وتوحيد أراضي السلاف الجنوبية، صارت مملكة صربيا جزءاً من مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين التي حكمتها سلالة كارادورديفيتش الصربية. وفي سنة 1929، أُعيد تسمية البلاد رسمياً لتصير مملكة يوغوسلافيا.
الحرب العالمية الثانية وقيام إسرائيل
خلال الحرب العالمية الثانية، تعرّض اليهود في يوغوسلافيا لعملية إبادة واسعة النطاق على يد قوات المحور والأنظمة المتعاونة معها. فمن بين نحو 80 ألف يهودي كانوا يعيشون في البلاد قبل الحرب، قُتل نحو 66 ألفاً خلال المحرقة. وخلال فترة احتلال دول المحور ليوغسلافيا وتقسيمها، أعلن أنصار الزعيم الشيوعي جوزيب بروز تيتو قيام يوغوسلافيا الاتحادية الديمقراطية سنة 1943، لتكون الأساس الذي قامت عليه، بعد التحرير، جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الشعبية سنة 1945، التي صارت تُعرف، منذ سنة 1963، باسم جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية.
بعد الحرب، سهّلت السلطات الشيوعية في البداية هجرة اليهود إلى فلسطين، وذلك جزئياً كردة فعل على فظائع المحرقة، وبدعم من شخصيات يهودية في قيادة الحزب الشيوعي اليوغوسلافي، من بينهم موشا بيادي. وكان ليوغوسلافيا دور مؤثر في الموقف الذي تبنته الأمم المتحدة تجاه فلسطين الانتدابية. فبصفتها عضواً في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (اليونسكوب)، عارضت خطة التقسيم، واقترحت، مع إيران والهند، إقامة دولة اتحادية ثنائية القومية تكون القدس عاصمة مشتركة لها. سعى المقترح للتوفيق بين التطلعات القومية العربية واليهودية التي اعتُبرت مشروعة على حد سواء، واستلهم نموذج يوغوسلافيا متعدد القوميات القائم على شعار "الوحدة والأخوة". ودعت الدبلوماسية اليوغوسلافية، ممثلة بفلاديمير سيميتش، إلى نظام انتقالي تقوده الأمم المتحدة يضمن المساواة ويحمي الحقوق المدنية والسياسية والدينية والثقافية لجميع السكان. واستند هذا الموقف إلى نقد مناهض للاستعمار، وخصوصاً تجاه الحكم البريطاني الذي اتُّهم بإهمال التنمية الاجتماعية والمؤسسية في فلسطين. وفي الوقت نفسه، دعمت يوغوسلافيا حق اليهود والعرب في تقرير المصير، وهو موقف تأثر بتجربتها في الحرب والمحرقة. وقد أدرك الشيوعيون اليوغوسلافيون أن ما من دولة عربية في المنطقة يمكن أن تقبل بتقسيم فلسطين.
ومع ذلك، لم يحظَ المقترح الداعي إلى إقامة دولة اتحادية ثنائية القومية، الذي تبته يوغوسلافيا، سوى بتأييد عدد قليل من الدول. وفي سنة 1948، وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل، كانت يوغوسلافيا ثاني دولة أوروبية تعترف بها رسمياً، بعد يوم واحد من اعتراف الاتحاد السوفياتي بإسرائيل.
حركة عدم الانحياز ونقطة التحول سنة 1967
في حزيران/ يونيو 1948، نشب خلاف بين جوزيب بروز تيتو وجوزيف ستالين حول قضايا داخلية وخارجية، فأُقصيت يوغوسلافيا من الكومنفورم، المنظمة التي كانت تقودها موسكو لتنسيق نشاطات الأحزاب الشيوعية السياسية بما يخدم المصالح السوفياتية
حتى وفاة ستالين سنة 1953، صاغت يوغوسلافيا سياستها الخارجية الخاصة، ساعية لإيجاد "طريق ثالث" يتجاوز كتلتَي الحرب الباردة. وقد تطور هذا المسار الدبلوماسي البديل عبر انخراط واسع مع دول أفريقية وآسيوية تحررت حديثاً من الاستعمار أو في طور التحرر، وتكلل بتأسيس حركة عدم الانحياز رسمياً في أيلول/ سبتمبر 1961 خلال مؤتمر بلغراد. وعُقد المؤتمر الثاني لهذه الحركة سنة 1964 في القاهرة، عاصمة الجمهورية العربية المتحدة آنذاك، بعد أشهر قليلة من تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. وقد أكد الإعلان الختامي بوضوح حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره و"نضاله من أجل التحرر من الاستعمار والعنصرية." ومنذ ذلك الحين، حضرت منظمة التحرير الفلسطينية جميع قمم الحركة التي شدد قادة العالم الثالث، من خلالها، على مركزية القضية الفلسطينية، ودعموا الشعوب التي ترزح تحت نير "الإمبريالية والاستعمار والفصل العنصري والصهيونية"، كما ورد في إعلان قمة 1976 في سريلانكا.
بيد أن الدعم السياسي الذي قدمته يوغوسلافيا لمنظمة التحرير قبل سنة 1967 بقي محدوداً، ولعل ذلك يعود إلى طبيعة المنظمة نفسها التي كانت قبل كل شيء حركة قومية، وكانت بعيدة عن الفكر الماركسي. كما أن يوغوسلافيا كانت تنظر إلى القضية الفلسطينية من منظور الدول العربية التي لم تطرح آنذاك مشروع إقامة دولة فلسطينية. وترددت يوغوسلافيا في البداية في تقديم دعم عسكري للفلسطينيين، لأنها لم ترغب في التدخل في شؤون إقليمية وثيقة الصلة بأحد أهم حلفائها، وهي مصر التي تبنت القضية الفلسطينية كجزء من مشروعها القومي العربي.
رأت يوغوسلافيا الاشتراكية في حرب حزيران/ يونيو 1967 وما تلاها من احتلال إسرائيلي للضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة وسيناء والجولان فعلاً إمبريالياً. فأغلقت سفارتها في تل أبيب، وحصرت علاقتها بإسرائيل في التبادل التجاري. ومنذ ذلك العام، لم تعدْ القضية الفلسطينية تُفهم بصفتها صراعاً عربياً عاماً، بل قضية ذات بعد دولي، وخصوصاً لدى الدول المناهضة للإمبريالية مثل يوغوسلافيا. كما تحولت قضية فلسطين من مسألة إنسانية إلى قضية سياسية تمتلك أطرها وفاعليها ودينامياتها التي ساهمت في تشكيل الجغرافيا السياسية في تلك المرحلة.
ساهم الدعم اليوغسلافي في تعزيز المكانة الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي بدأت تتعامل مع بلغراد بصفتها محاوراً دبلوماسياً مستقلاً. وفي أواخر الستينيات، تفاوض ياسر عرفات، زعيم حركة "فتح" آنذاك، مع السلطات اليوغسلافية بشأن توفير الإمدادات الطبية وعلاج الجرحى الفلسطينيين، وافتتاح مكتب إعلامي لمنظمة التحرير، وهو ما تم سنة 1971. وكان هذا المكتب أول تمثيل دبلوماسي للمنظمة من نوعه في أوروبا، وساهم في توطيد العلاقات بين الجانبين. وخلال السبعينيات، زار عرفات يوغوسلافيا عدة مرات، والتقى تيتو علناً سنة 1974.
كانت يوغوسلافيا شريكاً مثالياً للفلسطينيين من منظور جيوسياسي: دولة أوروبية، اتحادية، ومتعددة القوميات والأديان، وتُعد نموذجاً للتعايش السلمي. والأهم أن بلغراد أدت دور الجسر الدبلوماسي بين الكتلتين، وساهمت في إيصال القضية الفلسطينية إلى الساحتين الدوليتين الشرقية والغربية عبر حركة عدم الانحياز.
وفي يوغوسلافيا، كان يُنظر إلى ياسر عرفات والمقاومين في منظمة التحرير الفلسطينية بصفتهم مناضلين ضد الإمبريالية، بينما استلهم الفلسطينيون تجربة المقاومة اليوغوسلافية خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إن كثيرين منهم، كما يذكر المؤرخ زيغا سموليتش، اتخذوا "تيتو" اسماً حركياً. وهكذا صارت الدولة العلمانية متعددة الأديان التي أسسها الأنصار اليوغوسلافيون بعد مقاومتهم الاحتلال نموذجاً سياسياً يُحتذى به في الوعي الفلسطيني.
وشهدت العلاقات كذلك مستويات أُخرى من التواصل والتعاون، كان أبرزها تبادل الطلاب، إذ ساهمت المنح الدراسية المقدمة للطلاب القادمين من دول غير منحازة في إضفاء طابع دولي منفتح على صورة يوغوسلافيا، في قارة كانت يُنظر فيها إلى الدول الاشتراكية على نطاق واسع على أنها فضاءات مغلقة تحدّ من التواصل الإنساني.
يقول المؤرخ زيغا سموليتش: "في سبعينيات القرن العشرين، شكّل الطلاب الفلسطينيون أكبر مجموعة وطنية بين الطلاب الأجانب في يوغوسلافيا، وأسّسوا مجتمعاً فكرياً وسياسياً نشطاً ربط مباشرة بين أحداث الشرق الأوسط والحياة الاجتماعية في البيئة اليوغوسلافية." ويقدّر سموليتش أن عددهم تراوح بين 10.000 و15.000 طالب.
وفي أواخر السبعينيات، تعزز الدعم اليوغوسلافي للقضية الفلسطينية، وخصوصاً في المجال العسكري. فوفق سموليتش، "منذ النصف الثاني من السبعينيات، باعت يوغوسلافيا أسلحة لمنظمة التحرير الفلسطينية وقدّمت أُخرى كهبات عبر وسطاء عرب، وفي مقدمتهم ليبيا والعراق، بل زوّدتها بأنظمة أكثر تطوراً مثل المروحيات والغواصات."
وشملت أشكال الدعم أيضاً تدريب كوادر عسكرية فلسطينية في يوغوسلافيا. ولم يكن التركيز على عمليات المقاومة، بل على هدف بعيد المدى، وهو تأسيس جيش فلسطيني في المستقبل. وكما يشير سموليتش، فقد توجّه مئات الفلسطينيين في أوائل الثمانينيات إلى يوغوسلافيا لتلقي تدريب متخصص شمل الدفاع الجوي والطيران والعمليات البحرية. وكان من بينهم النقيب غسان ياسين، الطيار الذي لقي حتفه في حادث تحطم طائرة سنة 1992 في الصحراء الليبية، ونجا منه ياسر عرفات بأعجوبة. والمفارقة أن غسان ياسين كان قد نجا من حادث مماثل في أثناء تدريبه في يوغوسلافيا.
التدهور والتشرذم
شهدت ثمانينيات القرن الماضي بداية تراجع العلاقات بين يوغوسلافيا والقضية الفلسطينية. فمع وفاة جوزيب بروز تيتو سنة 1980، فقدت حركة عدم الانحياز مؤسسها وقائدها المؤثر الذي يحظى بشعبية واسعة. ودخلت يوغوسلافيا في مسار انهيار تدريجي بلغ ذروته في التفكك العنيف للاتحاد سنة 1991. وقد أثر غياب قيادة تحظى باحترام عالمي، إلى جانب الركود الاقتصادي والانقسامات السياسية بين الجمهوريات، في رسم سياسة بلغراد الخارجية وقدرتها على مواصلة دعم القضية الفلسطينية.
كما ساهمت التطورات في الشرق الأوسط في إعادة تشكيل المشهد. فبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة 1987، انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من الكفاح المسلح إلى استراتيجية دبلوماسية لبناء الدولة. وفي 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، أعلن ياسر عرفات من الجزائر قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس. واعتُبر إعلان السيادة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1967 خطوة نحو السلام، ودفع 78 دولة إلى الاعتراف بالدولة الوليدة. وكانت يوغوسلافيا أول دولة أوروبية تعترف بها. وفي نيسان/ أبريل 1989، تحوّل مكتب إعلام منظمة التحرير في بلغراد إلى سفارة فلسطينية.
مثّلت حروب يوغوسلافيا نقطة تحول حاسمة، تركت تأثيراً سياسياً جديداً في العلاقات بين الدول التي قامت على أنقاض الاتحاد وفي القضية الفلسطينية في آن واحد. فمنذ سنة 1992، خلفت يوغوسلافيا عدة دول هي جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود)، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة (التي تغير اسمها إلى مقدونيا الشمالية سنة 2019)، وسلوفينيا. وفي سنة 2006، صارت صربيا والجبل الأسود دولتين مستقلتين. وفي سنة 2008، أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا عقب حرب كوسوفو بين 1998- 1999.
مع بروز النزعة القومية وتراجع الفكر الماركسي وأفكار العالم الثالث، أعادت النخب الحاكمة الجديدة في بلغراد توجيه سياستها الخارجية التي سرعان ما وجدت نفسها أمام عزلة دولية وعقوبات متصاعدة. في سنة 1992، استأنفت جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية، المكوّنة من صربيا والجبل الأسود، علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
تراجعت حركة عدم الانحياز بالتدريج عن التزامها الأصلي بحركات التحرر المناهضة للاستعمار، وتحولت يوغوسلافيا في عهد سلوبودان ميلوسيفيتش إلى دولة منبوذة. وخلال التسعينيات، استند الخطاب القومي في بلغراد إلى أسطورة "الشعب السماوي" الصربي، في صدى واضح لفكرة "الشعب المختار" في الخطاب السياسي الإسرائيلي. كما برز تشابه آخر في الرواية التي تربط نضال صربيا وإسرائيل بالدفاع عن مصالحهما الوطنية في مواجهة ما تُسميانه "الإرهاب الإسلامي".
ومن اللافت أنه حين واجهت يوغوسلافيا عزلة دولية في عهد ميلوسيفيتش وبدأت تتفكك، وقفت إسرائيل إلى جانب بلغراد، تجنباً للظهور كدولة تؤيد إعلانات أحادية الجانب بالاستقلال قد تُشكل سابقة يستخدمها الفلسطينيون. وتشير بعض الروايات إلى أن إسرائيل كان لها يد في مذبحة سريبرينيتسا سنة 1995، عبر دعمها العسكري للصرب البوسنيين. وبناء على ذلك، شكك بعض الباحثين الإسرائيليين المتخصصين في دراسات الهولوكوست في استنتاجات المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ومحكمة العدل الدولية اللتين أقرتا بوقوع الإبادة الجماعية في سريبرينيتسا. وفي سنة 2019، عيّنت جمهورية صربسكا (وهي الكيان الذي تقوده صربيا داخل البوسنة والهرسك) الأكاديمييَن الإسرائيلييَن جدعون غريف ورافائيل إسرائيلي لرئاسة لجنتين حول سريبرينيسا وكوسوفو أصدرتا تقريرين قللا من حجم المذبحة ورددا السرديات الصربية التحريفية.
مع مرور الوقت، ساهمت هذه الديناميات في ترسيخ الركيزة الأساسية للعلاقات بين بلغراد وتل أبيب: تجارة السلاح. وقد ازدهر هذا التعاون منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وأفادت تقارير وكالة الأنباء الصربية (BIRN) وصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أن صربيا برزت كشريك عسكري مهم لإسرائيل خلال الإبادة الجماعية في غزة، إذ ارتفعت صادراتها من الأسلحة من 3 ملايين يورو سنة 2023 إلى أكثر من 114 مليون يورو سنة 2025. وعلى الرغم من دعوات المجتمع الدولي لوقف تزويد إسرائيل بأسلحة قد تُستخدم في جرائم حرب، بما فيها الإبادة الجماعية، فقد واصلت صربيا تزويد إسرائيل بالذخيرة والمدفعية، وتعمل حالياً على إنشاء مصنع مشترك للطائرات المسيّرة مع شركة البيت سيستمز الإسرائيلية.
وتساهم هذه الروابط أيضاً في تفسير طبيعة علاقات إسرائيل مع البوسنة والهرسك وكوسوفو. ففي سنة 2020، كانت إسرائيل من آخر الدول التي اعترفت باستقلال كوسوفو، وهو ما أدى إلى تجميد موقت للعلاقات مع بلغراد، واعتبر كثير من الصهيونيين الاعتراف خطأ لأنهم رأوا أن كوسوفو تمثل للصرب ما تمثله يهودا والسامرة (وهي التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة) والقدس لليهود: أرض الأجداد. وقد جاء الاعتراف نتيجة اتفاق رعته واشنطن بين بلغراد وبريشتينا هدف أساساً إلى تعزيز صورة دونالد ترامب كصانع للسلام قبيل الانتخابات الأميركية. ومنذ ذلك الحين، أقامت كوسوفو علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وافتتحت سفارة لها في القدس. ولم تعترف كوسوفو بفلسطين قط، مع أنها عانت في التسعينيات جرّاء التمييز العرقي والفصل العنصري والحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، على نحو يحاكي التجربة الفلسطينية. وفي هذا السياق، يتماشى موقف بريشتينا من القضية الفلسطينية مع موقف الولايات المتحدة، حليفتها السياسية الأساسية وداعمة استقلالها. ولهذا السبب، قررت كوسوفو، غير العضو في الأمم المتحدة، في كانون الثاني/ يناير 2026 الانضمام إلى ما يُسمى مجلس السلام الذي أنشأه ترامب وإرسال قوات إلى قطاع غزة.
أمّا البوسنة والهرسك، فتمثل حالة لافتة. فالبوشناق، وهم مسلمو البوسنة، من أكثر الشعوب تعبيراً عن دعمهم لفلسطين. ويعود ذلك جزئياً إلى تجربتهم الخاصة مع الإبادة الجماعية. ومع ذلك، تبنّت السلطات الرسمية موقفاً يميل إلى الحياد. فقد اعترفت البوسنة والهرسك، عند إعلان استقلالها سنة 1992، بدولة فلسطين، لكن موقفها الرسمي في السنوات الأخيرة عكس مزيجاً من التوجه المؤيد لإسرائيل لدى جمهورية صربسكا، المتجذر في خطاب فترة الحرب، والرغبة في الحفاظ على انسجام سياسي مع الولايات المتحدة.
أمّا كرواتيا التي لا تعترف بدولة فلسطين مثلها مثل مقدونيا الشمالية وكوسوفو، فقد شهدت تقارباً ملحوظاً مع مواقف دول أُخرى في الاتحاد الأوروبي. غير أن الحرب على غزة فجّرت خلافاً دبلوماسياً بين زغرب وتل أبيب، وأظهرت انقساماً داخلياً بين الحكومة والرئيس زوران ميلانوفيتش. ففي آب/ أغسطس 2025، دعا الرئيس الحكومة إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وأصدر أمراً بوقف التعاون العسكري بين القوات المسلحة الكرواتية والجيش الإسرائيلي. وجدد ميلانوفيتش التعبير عن موقفه في شباط/ فبراير 2026، حين التقى وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء الكرواتي إيفان أنوشيتش نظيره الإسرائيلي، مندداً "بسلوك الجيش الإسرائيلي غير المقبول والانتهاك غير المسبوق لجميع قواعد القانون الدولي الإنساني."
وتبرز سلوفينيا بصفتها الجمهورية اليوغوسلافية السابقة التي اتخذت أكثر الخطوات حسماً منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة. ففي حزيران/ يونيو 2024، اعترفت ليوبليانا بدولة فلسطين، على غرار ما فعلته إسبانيا وأيرلندا والنرويج. وبعد عام، في تموز/ يوليو 2025، صارت سلوفينيا أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تفرض حظراً كاملاً على بيع الأسلحة إلى إسرائيل، مانعة جميع عمليات استيراد السلاح وتصديره ونقله منها وإليها. كما مُنع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيران من حكومته من دخول سلوفينيا، في قرار استند إلى "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بحق الفلسطينيين" و"تصريحاتهم المحرِّضة على الإبادة." كما أن سلوفينيا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تفرض عقوبات موجهة من هذا النوع. واللافت أن التلفزيون الوطني السلوفيني امتنع عن بث مسابقة يوروفيجن 2026 مباشرة بسبب مشاركة إسرائيل، واختار بدلاً من ذلك عرض أفلام عن فلسطين.
العلم الفلسطيني مبنى الحكومة
ومع ذلك، عقب تنصيب الحكومة الجديدة بقيادة زعيم اليمين يانيز يانشا، أبطلت سلوفينيا هذه الخطوات. فقد تم رفع العقوبات المفروضة على نتنياهو ووزرائه، فضلاً عن حظر توريد الأسلحة إلى إسرائيل. وفي لفتة رمزية بشكل خاص، في اليوم الأول من ولاية يانشا الرابعة كرئيس وزراء سلوفينيا، تم إنزال العلم الفلسطيني الذي كان يرفرف على مبنى الحكومة منذ أن اعترفت ليوبليانا بدولة فلسطين. اغير أن العلم نفسه ظهر لاحقاً في القصر الرئاسي، مما أعاد تأكيد إدانة الرئيسة السلوفينية ناتاشا بيرك موسار لما وصفته بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.
Batovic, Ante. “Nonaligned Yugoslavia and the Relations with the Palestine Liberation Organisation.” Presented at the 11th Mediterranean Research Meeting at the European University Institute, Workshop 12 “Superpower Rivalry and the Third Way(s) in the Mediterranean,” Florence, Italy, March 24–27, 2010. https://academiccommons.columbia.edu/doi/10.7916/D8W66SG7
Brown, John. “Israel’s Involvement in Bosnian Genocide to Remain Under Wraps.” +972 Magazine, 5 December 2016. https://www.972mag.com/israels-involvement-in-bosnian-genocide-to-remain..., last accessed 11/05/2026.
Dragojlo, Sasa and Scharf Avi. “Serbia Poised to Produce Drones with Israeli Arms Giant Involved in Gaza.” BIRN/Haaretz, 7 April 2026. Last accessed 11/05/2026 https://balkaninsight.com/2026/04/07/serbia-poised-to-produce-drones-wit...
Drosopoulos, Mary and Giovanni Vale. “The Shifting Tides of (Post-)Yugoslav Policy on Palestine.” 18 December 2024, Osservatorio Balcani e Caucaso Transeuropa. Last accessed 11/05/2026.
https://www.balcanicaucaso.org/en/cp_article/the-shifting-tides-of-post-...
Fruscione, Giorgio. “Serbia and Israel: Anatomy of a Friendship.” Italian Institute for International Political Studies, 18 October 2024. Last accessed 11/05/2016 https://www.ispionline.it/en/publication/serbia-and-israel-anatomy-of-a-...
Fruscione, Giorgio. “Israele-Palestina: cos’è e come nasce la “soluzione a un solo stato.” Italian Institute for International Political Studies, 12 March 2024. Last accessed 11/05/2016 https://www.ispionline.it/it/pubblicazione/israele-palestina-cose-e-come...
Koljanin, Milan and Radovanovic Vojislava. “Serbian Jews in World War One.” Belgrade: Jewish Historical Museum, Federation of Jewish Communities of Serbia, 2015.
Non-Aligned Movement. Final Declaration of the Second Summit Conference of Heads of State or Government of Non-Aligned Countries (Cairo Declaration), 1964. Centre for Nonproliferation Studies (CNS), Middlebury Institute of International Studies. http://cns.miis.edu/nam/documents/Official_Document/2nd_Summit_FD_Cairo_..., last accessed 11/05/2026.
Non-Aligned Movement. Final Document of the Fifth Summit Conference of Heads of State or Government of Non-Aligned Countries (Sri Lanka Declaration), 1976. Centre for Nonproliferation Studies (CNS), Middlebury Institute of International Studies. http://cns.miis.edu/nam/documents/Official_Document/5th_Summit_FD_Sri_La..., last accessed 11/05/2026.
Petrovic, Vladimir. Jugoslavija stupa na Bliski istok. Stvaranje jugoslovenske bliskoistočne politike 1946–1956. Belgrade: Institut za savremenu istoriju, 2007.
Rovčanin, Haris. “Bosnian Serb Report Claims Many Srebrenica Victims Weren’t Civilians.” Balkan Insight, 21 July 2021. https://balkaninsight.com/2021/07/21/bosnian-serb-report-claims-many-sre..., last accessed 11/05/2026.
Shnidman, Ronen. “From Balkan Nationalism to Zionism: Was the Jewish State Born in Serbia?” The Jerusalem Post, Magazine section, 3 November 2018. https://www.jpost.com/magazine/celebrating-zionisms-roots-in-serbia-570873, last accessed 11/05/2026.
Smolič, Žiga. Personal interview with the author. 20 April 2026.
United Nations. Document 176702 – United Nations Information System on the Question of Palestine (UNISPAL). https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-176702/, last accessed 11/05/2026.
United Nations. Document 186346 – United Nations Information System on the Question of Palestine (UNISPAL). https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-186346/, last accessed 11/05/2026.
United Nations. The Question of Palestine and the Non-Aligned Movement (GAPAL15). United Nations Information System on the Question of Palestine (UNISPAL). https://unispal.un.org/pdfs/gapal15.pdf, last accessed 11/05/2026.
محتوى ذو صلة
سياساتي - برامجي
إعلان الاستقلال الفلسطيني، 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988
تعهد تاريخي من أجل إقامة الدولة