أُنشئ مخيم درعا في محافظة درعا جنوب مدينة دمشق، بالقرب من الحدود الأردنية، واستقطب لاجئين فلسطينيين توافدوا إليه على دفعات، منذ النكبة الفلسطينية في سنة 1948. وهو من المخيمات الفلسطينية العشرة في سورية التي تعترف بها وكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا). وقد عانى هذا المخيم كثيراً جرّاء إرهاصات الحرب في سورية، إذ تهجر معظم سكانه، ودمرت معظم بناه التحتية من مبانٍ ومرافق حيوية. ومع أن قسماً من قاطنيه عاد إليه، إلاّ إن كثيرين منهم عانوا كثيراً، ولم يتمكنوا من إعادة ترميم منازلهم التي تدمرت، بسبب سوء أحوالهم الاقتصادية.
نشأة المخيم وسكانه:
في سنة 1950-1951 تم تأسيس مخيم درعا داخل مدينة درعا ليستوعب موجة أولى من اللاجئين الفلسطينيين الذين هٌجّروا من وطنهم في شمال فلسطين وشرقها، وبلغت مساحته، عند تأسيسه، نحو 0.04 كم2. وبعد احتلال إسرائيل هضبة الجولان السورية خلال عدوانها في حزيران/ يونيو 1967، استقبل المخيم موجة ثانية من اللاجئين الذين أجبروا على مغادرة مدينة القنيطرة السورية، وهو ما أدّى إلى تأسيس مخيم جديد بجوار القديم، أُطلق عليه اسم مخيم درعا (الطوارئ)، لتصل مساحة المخيم الكلية إلى نحو 1.3 كم2 . وقد ضم هذا المخيم الجديد، لدى نشوئه، ما يقرب من 4200 لاجئ فلسطيني.
بلغ عدد سكان مخيم درعا 13.000 لاجئ بحسب إحصاء أجرته الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب قبيل اندلاع الحرب في سورية، وذلك من مجموع 26.800 لاجئ فلسطيني أقاموا بمحافظة درعا، إذ ضمت تلك المحافظة، إلى جانب سكان المخيم بقسميه القديم والجديد، تجمعين آخرين للاجئين الفلسطينيين، هما تجمع "جلين" الواقع غرب المحافظة، وتجمع "المزيريب" الواقع في شمالها الغربي. وبينما يقطن في تجمع "جلين" بضع مئات من الفلسطينيين، بلغ عدد سكان تجمع "المزيريب" نحو 8 آلاف فلسطيني يشكّلون نصف عدد السكان في بلدة المزيريب.
وتعود أصول معظم سكان مخيم درعا القديم إلى قرى أقضية حيفا وطبرية والناصرة، مثل إجزم وجبع وعين غزال وسمخ والشجرة وطرعان (أو ترعان) وبلد الشيخ وعرب السويطات، بينما ينحدر معظم سكان المخيم الجديد من قرى قضائي طبرية وصفد، ومنها سمخ والنُقَيب وملاحة والحمّة، فضلاً عن المواسي والزنغرية والتلاوية والمصاروة.
البنى التحتية:
تهتم الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب في سورية بتعبيد الشوارع والأزقة داخل المخيم وإنارتها، وتقدم خدماتها إلى سكانه في مجالات الماء والكهرباء والصرف الصحي وشبكة الهاتف، بينما يقوم عمال صحة (تنظيفات) يتبعون لوكالة الأونروا بجمع القمامة وترحيلها، مستخدمين سيارات مخصصة لهذا الغرض. وتقوم الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين أيضاً بتقديم الخدمات إلى سكان تجمع "جلين" المقام على أرض ممنوحة من وزارة الأوقاف لإيواء اللاجئين الفلسطينيين.
الأبنية والطرقات:
لم يشهد مخيم درعا، كسائر المخيمات الفلسطينية في سورية، تطوراً على صعيد العمران إلاّ بعد مرور عدة أعوام على إنشائه، وذلك بحكم تزايد الحاجة إلى تأمين سكن نظامي يحتوي على مرافق مستقلة لكل عائلة. بيد أن عمليات بناء تلك المساكن اتسمت، غالباً، بالعشوائية في ميدانَي التخطيط والتنظيم. وتتنوع أشكال الأبنية داخل المخيم، فبعضها يتكوّن من طبقة واحدة، وبعضها الآخر يتكوّن من عدة طبقات، قد تصل إلى خمسة، ويقطن هذه الأبنية المرتفعة عادة أفراد من العائلة نفسها.
ويضم مخيم درعا شارعاً رئيسياً متسعاً، وعدداً من الشوارع والأزقة التي تتصف بضيق مساحتها. وخلال سنوات الحرب، وما نجم عنها من تدمير، تراكم ردم الأبنية والأنقاض في هذه الشوارع والأزقة، ونمت أعشاب فيها بصورة عشوائية، ولم يتم تنظيفها سوى بعد عودة قسم من سكان المخيم إلى منازلهم.
المياه:
يعاني مخيم درعا جرّاء مشكلة المياه، إذ تصل المياه إلى حاراته وأزقته بصعوبة، وقد لحق دمار كبير بشبكات المياه في قسمه الجنوبي، وتلوثت مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، جرّاء الأحداث. ونظراً إلى رداءة تصميم شبكات المياه، يكون ضخ المياه ضعيفاُ عادة، وكمياتها قليلة، لا تكفي لتأمين حاجات سكانه. وبعد عودة سيطرة الحكومة السورية على المخيم، في سنة 2018، قامت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في درعا، في سنة 2019، بإصلاح الخط الرئيسي الذي يغذي القسم الشمالي من المخيم، وتم تحديد يومين من كل أسبوع لضخ المياه، كما شرعت المؤسسة نفسها، في مطلع سنة 2024، في تنفيذ مشروع حفر خط جديد للمياه في القسم الجنوبي من المخيم، تمّ تمويله جزئياً من فاعلي خير وبمبادرة من المجتمع المحلي، للتخفيف من معاناة السكان الذين يضطرون إلى الاستعانة بمياه الآبار التي تنقل لهم عبر الصهاريج وبأسعار مرتفعة، ما يشكل عبأً مادياً كبيراً عليهم لأنهم يحتاجون إلى تعبئة خزاناتهم مرتين على الأقل أسبوعياً.
الصرف الصحي:
تُعتبر شبكات الصرف الصحي في المخيم متهالكة، إذ يشتكي الأهالي من تكرار فيضان مجاري الصرف الصحي في الشوارع والأزقة، نتيجة الأعطال المتكررة وعدم الصيانة الدورية لها. وقد تعاظمت هذه المشكلة بعد عودة الأهالي إلى المخيم، إذ فاضت مجاري الصرف الصحي في منازل المخيم وشوارعه جراء تحطمها وانسدادها بالأتربة والأنقاض. وقد نظّم الأهالي ولجان العمل الأهلي حملات عديدة لتنظيفها، وتدخلت محافظة درعا وأوعزت إلى المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بالعمل على إيجاد حل لهذه المشكلة، فشرعت هذه الأخيرة في أعمال صيانة "إسعافية" واستبدال بعض الخطوط المحطمة وتنظيف وتسليك "الريكارات" الموجودة في المخيم. وعلى الرغم كل هذا الجهد، فإن المجاري عادت إلى الفيضان من جديد.
الكهرباء:
لا يختلف وضع الكهرباء في مخيم درعا عن وضعه في سائر المخيمات الفلسطينية، وحتى في عموم المناطق السورية، التي تعاني نقصاً كبيراً في إمداد الكهرباء. وكانت الحرب قد خلفت عدداً من المشكلات، من أبرزها الأضرار الذي لحقت بحوامل الطاقة. وبعد استعادة الحكومة السورية السيطرة على مخيم درعا سنة 2018، شرعت الورشات الفنية، التابعة لمحافظة درعا، في إصلاح التلف والدمار اللذين أصابا خطوط الكهرباء في المخيم، وقامت شركة الكهرباء، في تموز/ يوليو 2019 ، بتمديد كابلات كهرباء أرضية من أجل تحسين الواقع الكهربائي في المخيم، ووضعت في الخدمة ثلاثة مراكز تحويل لتأمين عودة التيار الكهربائي لأحياء المخيم كافة، وذلك لصعوبة نصب أعمدة كهربائية بسبب الدمار الكبير القائم.
الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:
العمل:
تتصف المنطقة التي أقيم فيها مخيم درعا بخصوبة أراضيها، الأمر الذي دفع نسبة كبيرة من العمال فيه إلى العمل في القطاع الزراعي، وخصوصاً في المزارع المملوكة للسوريين الواقعة في جوار المخيم، كما يعمل قسم آخر منهم في أعمال حرة، كالحرف (أشغال بناء، نجارة، حدادة) والتجارة الصغيرة في الدكاكين، أو يعملون في الوظائف الحكومية ومنشآت القطاع العام. ويشتكي سكان المخيم من الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشونه، إذ تنتشر البطالة بصورة كبيرة بين صفوفهم، وينتظر معظمهم المعونات المالية والعينية التي تقدمها وكالة الأونروا لمساعدتهم على تأمين متطلبات حياتهم.
الصحة:
يعاني مخيم درعا أوضاعاً صحية صعبة جرّاء تراكم عدد من المشكلات، من أبرزها مشكلة تلوث مياه الشرب، المختلطة بمياه الصرف الصحي، وتراكم النفايات في شوارع المخيم وأزقته.
ولا يضم المخيم سوى مستوصف طبي واحد تابع لوكالة الأونروا، لحقت به أضرار كبيرة خلال الحرب. وعقب سيطرة الحكومة السورية على المنطقة، أعادت الأونروا في نهاية شهر أيار/ مايو 2022 ترميم هذا المستوصف، بدعم من حكومة اليابان وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية. وبسبب عدم قدرة مستوصف الأونروا على تلبية حاجات جميع سكان المخيم الصحية، الذين يضطرون إلى الانتظار ساعات طويلة قبل تلقي علاجاتهم، يضطر عدد منهم إلى التردد على المراكز الطبية الحكومية في حي الكاشف القريب من المخيم لتلقي العلاج. أمّا تجمع "المزيريب"، فيضم عيادة طبية واحدة تابعة للأونروا.
التعليم:
يوجد في مخيم درعا ست مدارس ابتدائية وإعدادية تابعة لوكالة الأونروا، تعمل بنظام الفترتين للذكور والإناث، وقد سميت بأسماء قرى فلسطين ومدنها وهي: مدرسة كفر لام ومدرسة طيطبا للتعليم الابتدائي للإناث، ومدرسة عين كارم للتعليم الإعدادي للإناث، ومدرسة كفر كنا ومدرسة الصفصاف للتعليم الابتدائي للذكور، ومدرسة طبرية للتعليم الإعدادي للذكور. وتدير الأونروا روضة للأطفال في المخيم. كما ترعى الوكالة أريع مدارس ابتدائية وإعدادية في تجمع "المزيريب"، ومدرستين في تجمع "جلين". بينما لا توجد أي مدرسة للتعليم الثانوي في المخيم، الأمر الذي يدفع الطلاب والطالبات إلى الالتحاق بالمدارس الثانوية في مدينة درعا لمتابعة دراستهم.
وتميّز مخيم درعا قبل الحرب في سورية بنسب التعليم العالية فيه، وارتفاع أعداد اللاجئين الذين يحصلون على شهادات جامعية في مختلف الاختصاصات. بيد أن الواقع التعليمي شهد تدهوراً كبيراً جرّاء الحرب، إذ حرم آلاف الطلاب والطالبات في المخيم وفي تجمع "المزيريب" من حقهم في التعليم، نتيجة الدمار الكلي أو الجزئي الذي تعرضت له أغلبية المدارس. وبعد أن سيطرت الحكومة السورية على المنطقة من جديد، شرعت الأونروا منذ سنة 2019، بالتعاون مع إدارة تربية درعا التابعة لوزارة التربية السورية، في مشروع لترميم المدارس المتضررة، وتمكنت من إعادة بناء مدرستَي عين كارم والصفصاف بفضل تبرعات تلقتها من الصندوق السعودي للتنمية، ومن الحكومة اليابانية وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، كما نجحت في ترميم مبنى يضم مدرستَي طبرية وطيبطا. ويُشار إلى أن مدرسة "كفر كنا" حققت، في سنة 2021، نسبة نجاح بلغت 100% في نتائج امتحانات شهادة نهاية المرحلة الإعدادية.
علاقة سكان المخيم بسكان المحيط:
يتفاعل سكان مخيم درعا مع سكان محيطه بإيجابية كبيرة، إذ تربط بينهم روابط عديدة منها المصاهرة. وتاريخياً، كانت علاقة سكان محافظة درعا السورية مع سكان مدن شمال فلسطين قوية، إذ جمعتهم تجارة مشتركة واستقبلت أسواق المدن الشمالية الفلسطينية المنتوجات الزراعية من درعا. كما تعمقت علاقة سكان المخيم بسكان المحيط نتيجة عمل أعداد كبيرة منهم في الزراعة، وخصوصاً في المزارع المملوكة للسوريين القريبة للمخيم، فضلاً عن أن نسبة من اللاجئين الفلسطينيين تقطن أساساً في مدينة درعا وجوارها.
مخيم درعا بعد سنة 2011:
يُعتبر مخيم درعا من أكثر المخيمات الفلسطينية في سورية تعرضاً للنتائج الكارثية التي نجمت عن الحرب، إذ لامس حجم الدمار في بناه التحتية نسبة تفوق الـ 60%، كما نزح ما يناهز الـ 90% من سكانه، وهاجر كثيرون منهم خارج البلد. وحتى بعد عودة الاستقرار إلى المخيم، لم يعد إليه سوى عشرات العائلات في البداية، ثم صار عدد العائدين يتزايد حتى وصل إلى 3700 لاجئ ولاجئة، يتوزعون على 770 عائلة وفقاً لإحصاء أجرته الأونروا في سنة 2020.
ويفتقد مخيم درعا الدعم الذي تقدمه عادة المنظمات التي تعنى بالوضع الإغاثي والاجتماعي، ويقتصر هذا الدعم على ما تقدمه مؤسسات وكالة الأونروا (مركز المرأة – مركز ذوي الاحتياجات الخاصة – روضة أطفال)، والتي بدأ العمل على إعادة تأهيل مقراتها ومراكزها في سنة 2022. أمّا الفصائل الفلسطينية، فلا يوجد نشاط بارز لها في المخيم، على الرغم من وجودها وقيامها بنشاطات فيه قبل الأزمة السورية.