منظمة العفو الدولية
نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين
نظام قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية
لندن، 1 شباط/ فبراير 2022
ملخص
"إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها ... [بل] الدولة القومية للشعب اليهودي وله وحده."
رسالة نشرها على الإنترنت في مارس / آذار 2019 ،
رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو
في 18 مايو/ أيار 2021، أغلق الفلسطينيون في مختلف المدن والقرى في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين مكاتبهم ومتاجرهم ومطاعمهم ومدارسهم، وتركوا ورشات البناء، ورفضوا الذهاب للعمل ليوم كامل. وفي مشهد طغت عليه الوحدة ولم يسبق له مثيل على مدى عقود تحدى الفلسطينيون واقع شرذمة الأراضي وسياسات العزل التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وانخرطوا في إضراب عام احتجاجا على القمع المشترك الذي يعانون منه على يد إسرائيل.
وقد نظم الإضراب احتجاجا على خطط السلطات الإسرائيلية لإخلاء سبع عائلات فلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح، وهو حي سكني للفلسطينيين بالقرب من البلدة القديمة في القدس الشرقية وكثيرا ما كان هدفًا لمساعي إسرائيل المستمرة من أجل توسيع المستوطنات غير القانونية ونقل مستوطنين يهود إليها. وفي محاولة لوقف خطر الإخلاء، بدأت العائلات الفلسطينية المهددة حملة على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام وسم (هاشتاغ #انقذوا_الشيخ_جراح، فلقيت اهتماما عالميًا واسعا وحشدت متظاهرين على الأرض. وردت قوات الأمن الإسرائيلية على المظاهرات بالقوة المفرطة نفسها التي دأبت على استخدامها لقمع الاحتجاجات الفلسطينية على مدى عقود، فقبضت بصورة تعسفية على متظاهرين سلميين وألقت قنابل يدوية صوتية وقنابل الصعق اليدوية على الحشود، واستخدمت القوة المفرطة ومياه عادمة كريه الرائحة لتفريق المتظاهرين، كما أطلقت قنابل يدوية ارتجاجية على مصلين ومتظاهرين في باحات المسجد الأقصى.
وأدى هذا القمع الوحشي إلى موجة من التضامن في مناطق أخرى من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي أوساط الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية عبر الخط الأخضر وهو خط فاصل حددته اتفاقيات الهدنة المبرمة عام 1949 بين إسرائيل والدول المجاورة، ومثل الحدود القائمة بحكم الواقع الفعلي لدولة إسرائيل حتى عام (1967). وفي إسرائيل، شنت قوات الأمن حملةً تتسم بالتمييز المجحف ضد المواطنين الفلسطينيين، شملت عملیات اعتقال تعسفية واسعة، واستخدام القوة بشكل غير قانوني ضد متظاهرين سلميين، بينما تقاعست عن حماية الفلسطينيين من الاعتداءات المنظمة من جانب معتدين يهود عقب اندلاع العنف الجماهيري. وفي الوقت نفسه، اندلعت عملیات مسلحة يوم 10 مايو/ أيار عندما أطلقت جماعات فلسطينية مسلحة صواريخ بصورة عشوائية من قطاع غزة باتجاه إسرائيل. وردت إسرائيل بهجوم عسكري شرس على قطاع غزة استمر 11 يومًا، واستهدف منازل سكنية دون إنذار مسبق فعّال، وأدى إلى تدمير مرافق للبنى التحتية الأساسية، وإلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص وقتل وإصابة مئات آخرين. وبالتالي تسببت إسرائيل بتفاقم الأزمة الإنسانية المزمنة في قطاع غزة الناجمة بالأساس عن الحصار غير القانوني الذي تفرضه هناك منذ فترة طويلة.
ويرى الكثير من الفلسطينيين الذين شاركوا في الإضراب العام في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة أن تلك الإجراءات القمعية التي تتسم بالتمييز المجحف في القدس الشرقية وفي قطاع غزة وفي المدن والبلدات الفلسطينية، وكذلك في المدن المختلطة" في إسرائيل التي يعيش فيها يهود وفلسطينيون تمثل تجسيدا متنوعًا لنظام شامل من الاضطهاد والهيمنة من جانب إسرائيل. وهذا النظام، الذي يتسم بدرجات متفاوتة من الحدّة والقمع حسب الحالة القانونية للفلسطينيين داخل الجيوب المنعزلة التي يعيشون فيها في الوقت الراهن، ويُعدّ انتهاكًا لحقوقهم بأشكال شتى، يسعى في نهاية الأمر إلى إقامة هيمنة يهودية وإدامتها في أي منطقة تمارس فيها إسرائيل سيطرةً فعلية. وكان خروجهم للتظاهر تعبيرا عن الوحدة ورفضا لما تقوم به إسرائيل من شرذمة الشعب الفلسطيني. وقد نشر بعض النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي بيانًا في اليوم نفسه أدان السياسات والممارسات الإسرائيلية القائمة منذ فترة طويلة، والتي تسعى إلى تحويل الفلسطينيين إلى مجتمعات متفرقة، يعيش كل منها بمفرده في سجن منفصل".
وقد دعا الفلسطينيون منذ أكثر من عقدين لاعتبار وتعريف الحكم الإسرائيلي على أنه نظام فصل عنصري (الأبارتهايد)، وتصدر ذلك جهود المرافعة في هذا الصدد أمام الأمم المتحدة. ومع مرور الوقت، ساهمت بحوث أجرتها منظمات فلسطينية معنية بحقوق الإنسان، ومؤخرًا بعض الجماعات الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان، باعتراف دولي أوسع بأن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تُعدّ أبارتهايد، إلا أن دول العالم، وخاصة الدول الغربية الحليفة لإسرائيل، أحجمت عن الإصغاء لهذه المطالب، ورفضت اتخاذ أي إجراءات ذات جدوى ضد إسرائيل. وفي الوقت نفسه واجهت المنظمات الحقوقية الفلسطينية والمدافعون عن حقوق الإنسان، ممن قادوا الدعوة لمناهضة الأبارتهايد وجهود الحملات في سبيلها ، لقمع إسرائيلي متزايد على مدى سنوات عقابًا على عملهم. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2021، صعدت السلطات الإسرائيلية بشكل أكبر اعتداءاتها على المجتمع المدني الفلسطيني، وذلك بإساءة استخدام قانون مكافحة الإرهاب من أجل تجريم ست منظمات بارزة بينها ثلاث جماعات رئيسية معنية بحقوق الإنسان، لإغلاق مقار هذه المنظمات ولاعتقال ومحاكمة العاملين فيها. وبالموازاة مع ذلك، عرّضت إسرائيل منظمات إسرائيلية تدين الأبارتهايد وغيره من الانتهاكات الجسيمة ضد الفلسطينيين لحملات تشويه لسمعتها ونزع الشرعية عنها.
وارتكازا على مجموعة الأبحاث المتنامية، وثقت منظمة العفو الدولية وحللت أشكال التمييز الممأسس والممنهج الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، وذلك في إطار تعريف الأبارتهايد بموجب القانون الدولي. وهدف ذلك إلى تحديد ما إذا كانت القوانين والسياسات والممارسات الإسرائيلية، التي تتسم بالتمييز المجحف والإقصاء، ضد الفلسطينيين تعد بمثابة أبارتهايد باعتبارها انتهاكا للقانون الدولي العام وانتهاكا جسيما لحقوق الإنسان، وجريمة ضد الإنسانية. ولتحقيق ذلك، سعت المنظمة أولا إلى تجديد تعمد إسرائيل قمع جميع الفلسطينيين والهيمنة عليهم عن طريق بسط سيطرتها في شتى أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال وسائل تتعلق بالديموغرافيا، والاستفادة بأقصى قدر ممكن من الموارد المتاحة لمنفعة سكانها اليهود على حساب الفلسطينيين وعملت المنظمة، ثانيا على تحليل القوانين والسياسات والممارسات التي أصبحت بمرور الوقت تشكل الأدوات الأساسية لإقامة واستدامة ذلك النظام، فضلاً عن أنها تنطوي على التمييز المجحف ضد الفلسطينيين وتؤدي إلى تعرضهم للتفرقة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في الوقت الراهن، كما تسيطر على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. وأجرت المنظمة هذا التحليل عن طريق فحص العناصر الأساسية لنظام الاضطهاد والهيمنة هذا، وهي تتمثل في: شرذمة الأراضي والتفرقة والسيطرة من خلال الحرمان من المساواة في حقوق المواطنة وفي الحالة القانونية، وفرض قيود على الحركة، وقوانين لم الشمل التمييزية المجحفة، واستخدام الحكم العسكري والقيود على الحق في المشاركة السياسية وفي المقاومة الشعبية، ونزع ملكية الأراضي والممتلكات، وعرقلة التنمية البشرية للفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وبالإضافة إلى ذلك، وثقت المنظمة أفعالاً معينة وحشية وغير إنسانية، وانتهاكات وجرائم خطيرة لحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي، ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني بقصد استمرار واستدامة نظام الاضطهاد والهيمنة.
وعلى هذا النحو أثبتت منظمة العفو الدولية أن إسرائيل فرضت نظامًا من الاضطهاد والهيمنة على الفلسطينيين في كل الأماكن التي تمارس فيها سيطرة على تمتع الفلسطينيين بحقوقهم، سواء في مختلف أنحاء إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو فيما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين. ويُطبّق العزل والتفرقة بشكل ممنهج وممأسس إلى حد كبير من خلال قوانين وسياسات وممارسات تهدف جميعها إلى منع الفلسطينيين من المطالبة والتمتع بحقوق متكافئة مع الإسرائيليين اليهود داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم يُقصد منها قمع الشعب الفلسطيني والهيمنة عليه. ويتوطد نظام الاضطهاد والهيمنة ذلك بفعل نظام قانوني يسيطر على حق اللاجئين الفلسطينيين المقيمين خارج إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في العودة إلى ديارهم عن طريق نفي هذا الحق). وعلى مدى عقود، شكلت الاعتبارات السكانية والجغرافية السياسية الاسرائيلية بصور متباينة السياسات تجاه الفلسطينيين في كل منطقة من المناطق المختلفة في إسرائيل، والقدس الشرقية، وباقي مناطق الضفة الغربية، وفي قطاع غزة. وهذا يعني في الوقت الراهن أن نظام السيطرة الإسرائيلي لا يطبق بشكل متجانس في جميع المناطق. فالفلسطينيون يتعرضون لهذا النظام بأشكال متباينة، ويواجهون مستويات مختلفة من القمع حسب حالتهم القانونية والمناطق التي يعيشون فيها.
وتوصلت منظمة العفو الدولية إلى أن إسرائيل قد ارتكبت الجرم الدولي المتمثل بالأبارتهايد، باعتباره انتهاكا لحقوق الإنسان وانتهاكًا للقانون الدولي العام، أينما تفرض إسرائيل هذا النظام. ويفيد تقدير المنظمة بأن جميع السلطات الإدارية المدنية والسلطات العسكرية الإسرائيلية تقريبا، وكذلك جميع المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية تقريبا، متورطة في فرض نظام الأبارتهايد ضد الفلسطينيين في مختلف أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، وضد اللاجئين الفلسطينيين وأبنائهم وأحفادهم خارج تلك الأراضي. كما خلصت المنظمة إلى أن أنماط الأفعال المحظورة التي ترتكبها إسرائيل داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة تشكل جزءًا من اعتداء ممنهج وواسع النطاق موجه ضد السكان الفلسطينيين، وأن الأفعال الوحشية أو غير الإنسانية المرتكبة في سياق هذا الاعتداء قد ارتكبت بقصد إدامة ذلك النظام، وهي ترقى إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد بموجب الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نظام روما الأساسي).
ويضيف هذا العمل إلى ما أجرته ووثقته منظمة العفو الدولية على مدى عقود من بحوث مكتبية وميدانية الجمع الأدلة على انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك على مطبوعات صادرة عن منظمات فلسطينية وإسرائيلية ودولية بالإضافة إلى دراسات أكاديمية، وإلى ما رصدته المجموعات الشعبية الناشطة، وإلى تقارير صادرة عن هيئات الأمم المتحدة وخبراء وهيئات معنية بحقوق الإنسان، إضافة إلى مقالات إعلامية.
وأجرت منظمة العفو الدولية بحوثها وتحليلاتها في سياق هذا العمل خلال الفترة من يوليو/تموز 2017 إلى نوفمبر / تشرين الثاني 2021. وعكف الباحثون على إجراء تحليل مستفيض للقوانين الإسرائيلية ذات الصلة وللنظم والأوامر العسكرية والتوجيهات الصادرة عن مؤسسات حكومية، وللتصريحات الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية وعن مسؤولين عسكريين وراجعت المنظمة وثائق حكومية إسرائيلية أخرى، مثل وثائق التنظيم والتخطيط والخطط والميزانيات والإحصاءات، وسجلات الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي وأحكام المحاكم الإسرائيلية. كما فحصت المنظمة تقارير وإحصاءات ذات صلة نشرتها السلطات الفلسطينية. واستر شدت البحوث بسياسة عالمية بشأن انتهاك حقوق الإنسان وجريمة الأبارتهايد، وهي سياسة اعتمدتها منظمة العفو الدولية في يوليو/ تموز 2017، بعدما اعترفت بأنها لم تول اهتماما كافيا لحالات التمييز المجحف والقمع المنظمين في أنحاء مختلفة من العالم.
وفي إطار هذه البحوث تحدثت منظمة العفو الدولية مع ممثلين من منظمات فلسطينية وإسرائيلية ودولية غير حكومية، وهيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومع مزاولين للعمل القانوني وعلماء وأكاديميين وصحفيين وغيرهم من الجهات المعنية ذات الصلة. وبالإضافة إلى ذلك، أجرت المنظمة تحليلاً قانونيا مكثفًا للوضع شمل التواصل مع خبراء خارجيين في القانون الدولي وطلب المشورة منهم.
ويهدف عمل منظمة العفو الدولية بخصوص هذه المسألة، إلى دعم مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والاسرائيلية في جهودها من أجل إنهاء ما تمارسه إسرائيل من قمع وهيمنة تجاه الفلسطينيين، في وقت أصبح فيه عمل ذلك المجتمع وتلك المنظمات مهددًا بشكل متزايد. كما تأمل المنظمة أن يُسهم عملها هذا في نشر المزيد من الفهم، والإقرار بالتمييز الممأسس الذي يُمارس في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وضد اللاجئين الفلسطينيين باعتباره نظام وجريمة أبارتهايد.
الأبارتهايد في القانون الدولي
يعتبر الأبارتهايد انتهاكًا للقانون الدولي العام، ويشكّل انتهاكًا جسيما لحقوق الإنسان التي تحظى بالحماية الدولية، وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الجنائي الدولي. فهناك ثلاث اتفاقيات دولية أساسية تحظر أو تجرّم صراحةً الأبارتهايد، أو الاثنين معا، وهي: الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري اتفاقية التمييز العنصري)، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نظام روما الأساسي).
وبموجب اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي، فإن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد تقع عندما يُرتكب أي عمل غير إنساني أو وحشي بالأساس انتهاك جسيم لحقوق الإنسان في سياق نظام بنيوي من الهيمنة والقمع بصورة ممنهجة من جانب فئة عرقية على فئة عرقية أخرى، بقصد إدامة هذا النظام. ويمكن فهم نظام الهيمنة والقمع باعتباره معاملة قاسية تتسم بالتمييز المجحف بشكل ممنهج ومستديم من جانب فئة عرقية ما تجاه أفراد فئة عرقية أخرى، بقصد الهيمنة على الفئة العرقية الأخرى.
ومن ثم فإن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد تقع عندما تُرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سياق، وبقصد إدامة نظام من السيطرة القاسية والمستديمة التي تتسم بالتمييز المجحف من جانب فئة عرقية ما على فئة أو فئات عرقية أخرى.
ويتيح هذا الإطار الجريمة الأبارتهايد فهماً شاملاً، مستندًا إلى القانون الدولي لوضع التفرقة والاضطهاد والهيمنة من جانب فئة عرقية ما على فئة عرقية أخرى. هذا وتنوّه منظمة العفو الدولية وتؤكد أن نظم الاضطهاد والهيمنة لن تتطابق يوما. ولذا، فهي لا تسعى إلى إثبات أو فحص ما إذا كان أي نظام للقمع والهيمنة، كما يُمارس في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، على سبيل المثال، هو مطابق أو مماثل لنظام العزل والتفرقة والاضطهاد والهيمنة الذي كان يُمارس في جنوب إفريقيا في الفترة من عام 1994 1948 إلى عام
ولتحديد ما إذا كانت إسرائيل قد أقامت وأدامت نظامًا ممأسسًا من الاضطهاد والهيمنة الممنهجين، فحصت منظمة العفو الدولية الطرق التي تمارس بها إسرائيل سيطرتها على الشعب الفلسطيني. كما وفحصت عددًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي من شأنها أن تشكل الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد إذا ما ارتكبت بقصد إدامة هكذا نظام من الاضطهاد والهيمنة.
تعمد اضطهاد الفلسطينيين والهيمنة عليهم
اتبعت إسرائيل، منذ إنشائها في عام 1948 ، سياسةً صريحةً تتمثل في إقامة وإدامة هيمنة ديموغرافية سكانية يهودية وتحقيق أقصى حد من السيطرة على الأراضي لصالح الإسرائيليين اليهود، وفي الوقت نفسه تقليل عدد الفلسطينيين إلى أدنى حد، وتقييد حقوقهم، وعرقلة قدرتهم على التصدي لهذا السلب. وفي عام 1967، وسعت إسرائيل سياستها وراء الخط الأخضر لتشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، اللذين تحتلهما منذ ذلك الحين. وفي الوقت الراهن لا تزال جميع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل تدار بغرض منفعة الإسرائيليين اليهود على حساب الفلسطينيين، بينما يستمر إقصاء اللاجئين الفلسطينيين تماما.
ومنذ البداية شكلت العوامل الديموغرافية العنصر الموجه للتشريعات وصناعة السياسات في إسرائيل. فقد تعيّن أن يتغير التركيب السكاني للدولة الجديدة لصالح اليهود الإسرائيليين، أما الفلسطينيون، سواء داخل إسرائيل أو لاحقًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فكان يُنظر إليهم باعتبارهم تهديدا لإقامة وإدامة الأغلبية اليهودية، ونتيجة لذلك كان من الضروري طردهم، وشرذمتهم، وعزلهم، وتفرقتهم، والسيطرة عليهم، ونزع ملكيتهم لأراضيهم وممتلكاتهم، وحرمانهم من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
يشكل اليهود الإسرائيليون فئةً موحدةً من حيث تمتعها بحالة قانونية تحظى بامتيازات منصوص عليها في القانون الإسرائيلي، وهو وضع يسري عليهم من خلال الخدمات وأشكال الحماية التي توفرها الدولة بغض النظر عن مكان إقامتهم في الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل الفعلية. وقد ترسخت الهوية اليهودية للدولة في قوانينها وفي ممارسات مؤسساتها القومية والرسمية وتنظر القوانين الإسرائيلية إلى الهوية اليهودية وتتعامل معها حسب السياق باعتبارها هوية دينية، و/أو هوية قائمة على النسب، و/أو هوية قومية أو عرقية.
تتعامل دولة إسرائيل مع الفلسطينيين على نحو مختلف فتنظر إليهم نظرة ذات طابع عرقي عنصري باعتبارهم غير يهود، وباعتبارهم جزءا من فئة لها خصائص معينة تختلف عن غيرها من الفئات غير اليهودية الأخرى. وفيما يتعلق بالفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، فقد صنفتهم وزارة الخارجية الإسرائيلية رسميًا باعتبارهم مواطني إسرائيل العرب"، وهو مصطلح شامل يصف عددا من الفئات المختلفة، التي يجمع بينها بالأساس أنها تتحدث باللغة العربية، ومن بينها العرب المسلمون وهذا التصنيف يشمل البدو)، والعرب المسيحيون والدروز والشركس. ولكن في النقاشات العامة، تشير السلطات الإسرائيلية ووسائل الإعلام فقط إلى العرب المسلمين والعرب المسيحيين - الذين يعرفون غالبًا عن أنفسهم كفلسطينيين - كعرب إسرائيليين وتربط بينهم وبين الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها، وتستخدم مصطلحات الدروز" و"الشركس" المحددة للإشارة إلى المجموعات غير اليهودية الأخرى. ومن الواضح أن السلطات تعتبر الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية فئة واحدة تختلف عن الدروز والشركس، حيث تعفي السلطات أفراد هذه الفئة وحدها من الخدمة العسكرية بالنظر إلى ارتباطاتهم العائلية والدينية والثقافية مع العالم العربي الذي عرض إسرائيل لاعتداءات متكررة، وكذلك للتخوف بشأن احتمال الولاء المزدوج".
وفي مايو/ أيار 1948، صدر إعلان قيام دولة إسرائيل، الذي نص على قيام دولة يهودية. وبالرغم من أن الإعلان كفل الحق في المساواة التامة في الحقوق الاجتماعية والسياسية بين جميع رعاياها"، فإن هذا الحق لم يكفل ضمن قوانين الأساس"، والتي تشكل فعليا وثائق دستورية في ظل غياب دستور مكتوب
وبالإضافة إلى النص على قيام إسرائيل كدولة يهودية، وجه الإعلان الصادر عام 1948 مناشدة إلى اليهود في شتى أنحاء العالم بالهجرة إلى إسرائيل. وفي عام 1950 ، منحت إسرائيل كل يهودي الحق في الهجرة إلى إسرائيل، بموجب قانون العودة، وأعقبه الحق التلقائي في الحصول على الجنسية الإسرائيلية بموجب قانون المواطنة لعام 1952. واعتبرت السلطات الإسرائيلية جزئيًا ذلك إجراءً ضروريا لمنع محاولة أخرى لإبادة اليهود في أعقاب الهولوكوست (محرقة اليهود وتوفير المأوى لليهود الذين تعرضوا للاضطهاد في أماكن أخرى في العالم. وفي الوقت نفسه، ظل مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا خلال النزاع من عام 1947 إلى عام 1949 ممنوعين من العودة إلى ديارهم استنادًا إلى اعتبارات ديموغرافية. وتبلور جوهر نظام الاضطهاد والهيمنة على الفلسطينيين بوضوح ضمن قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل قانون القومية لعام 2018، الذي رسخ مبدأ أن دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي"، وأن الحق في تقرير المصير يقتصر فقط على الشعب اليهودي".
وفي الوقت نفسه تؤكد تصريحات سياسيين إسرائيليين بارزين وكذلك عدد من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين على مر السنين تعمد إسرائيل إدامة أغلبية سكانية يهودية وقمع الفلسطينيين والهيمنة عليهم. فمنذ عام 1948، شدّد هؤلاء السياسيون وكبار المسؤولين علنا، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، على الهدف الأهم المتمثل بالإبقاء على هوية إسرائيل كدولة يهودية، كما صرحوا عن عزمهم التقليل إلى أدنى حدّ إمكانية وصول الفلسطينيين إلى الأراضي والسيطرة عليها في جميع الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل الفعلية. وقد نفّذوا ذلك بمصادرة منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، وحصر مكان عيش الفلسطينيين فعليا في جيوب منعزلة من خلال سياسات التخطيط والبناء التي تتسم بالتمييز المجحف. كما تجلى التعمد المتسم بالتمييز المجحف في الهيمنة على الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية من خلال تصريحات تشير بوضوح إلى ضرورة وجود شكل منفصل غير متكافئ للجنسية وحرمان الفلسطينيين من الحق في لم شمل العائلات كوسيلة تحكم في التركيبة السكانية.
ومن الواضح بالمثل تعمد الهيمنة على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة والسيطرة عليهم من خلال سياسات تتسم بالتمييز المجحف فيما يخص الأراضي والتخطيط والبناء، بالإضافة إلى منع أي منه ای تنمية زراعية أو صناعية المنفعة الفلسطينيين. فمنذ احتلال القدس الشرقية وضمها في عام 1967، حددت الحكومات الإسرائيلية أهدافًا بخصوص نسبة السكان اليهود إلى الفلسطينيين في القدس بصفة عامة، وأوضحت بصورة جلية من خلال تصريحات علنية أن حرمان الفلسطينيين في القدس الشرقية من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يمثل سياسة متعمدة لإجبارهم على مغادرة المدينة. كما كان قيام إسرائيل بسحب مستوطنيها من غزة، مع استمرارها في السيطرة على السكان في هذه الأراضي بأشكال أخرى، مرتبطا ارتباطاً صريحًا بالمسائل الديموغرافية، وإدراكًا بأنه لا يمكن تحقيق الأغلبية اليهودية هناك. وأخيرا، تظهر المواد العامة الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية بوضوح أن سياسة إسرائيل المستمرة منذ فترة طويلة بحرمان ملايين اللاجئين الفلسطينيين من حقهم في العودة إلى ديارهم هي سياسة توجهها أيضًا اعتبارات ديموغرافية.
السيطرة على الأراضي والتفرقة القانونية
في سياق إنشاء إسرائيل كدولة يهودية في عام 1948، كان قادتها مسؤولين عن عمليات إبعاد جماعية لمئات الآلاف من الفلسطينيين، وهدم المئات من القرى الفلسطينية فيما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي. واختار قادة إسرائيل إجبار الفلسطينيين على العيش في جيوب منعزلة داخل دولة إسرائيل، ثم إجبارهم لاحقًا على العيش في الضفة الغربية وقطاع غزة، عقب الاحتلال العسكري الإسرائيلي لهما في عام 1967. كما استولوا على الغالبية العظمى من أراضي الفلسطينيين ومواردهم الطبيعية، ووضعوا قوانين وسياسات وممارسات تنطوي على تمييز مجحف وممنهج وقاس ضد الفلسطينيين، مما جعلهم مفتتين جغرافيا وسياسيًا، ويعيشون في حالة دائمة من الخوف وانعدام الأمن، فضلاً عن الفقر في كثير من الأحيان.
وفي الوقت نفسه اختار قادة إسرائيل منح امتيازات بصورة ممنهجة للمواطنين اليهود ضمن القانون وعلى مستوى الممارسة العملية، من خلال توزيع الأراضي والموارد عليهم، مما جعلهم يتمتعون نسبيًا بثراء ورفاهية على حساب الفلسطينيين. كما عملوا بشكل مستمر على توسيع المستوطنات اليهودية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في انتهاك للقانون الدولي.
في عام 1948، قبل إنشاء دولة إسرائيل، كان الفلسطينيون يشكلون حوالي 70 بالمئة من سكان فلسطين التي كانت آنذاك منطقة خاضعة للانتداب البريطاني، ويمتلكون حوالي 90 بالمئة من الأراضي المملوكة بملكية خاصة. وكان اليهود الذين هاجر كثير منهم من أوروبا الى فلسطين، يشكلون حوالي 30 بالمئة من السكان، وكانت ملكيتهم هم والمؤسسات اليهودية تبلغ حوالي 6.5 بالمئة من الأراضي.
عملت السلطات الإسرائيلية على قلب الوضع رأسًا على عقب. فبعض الذين فروا من ديارهم خلال النزاع من عام 1947 إلى عام 1949 هجروا داخليًا من قراهم وبلداتهم ومدنهم إلى مناطق أخرى ضمن ما أصبحدولة إسرائيل. وفرّ آخرون إلى مناطق أخرى من فلسطين الانتدابية كان 22 بالمئة منها يخضع لسيطرة الأردن ومصر في أعقاب النزاع - وهو الجزء الذي يشكل حاليًا الأراضي الفلسطينية المحتلة). أما معظم الباقين ففروا إلى البلدان العربية المجاورة الأردن وسوريا ولبنان وتمنع إسرائيل هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين، وأبناءهم وأحفادهم، وكذلك المهجرين داخليًا في إسرائيل من العودة إلى أماكن سكنهم السابقة.
وزاد تشرذم الفلسطينيين بعد حرب يونيو/ حزيران 1967، والتي أسفرت عن احتلال عسكري إسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وعن خلق نظام قانوني وإداري منفصل للسيطرة على تلك الأراضي المحتلة، وكذلك عن موجة أخرى من تهجير الفلسطينيين.
وقد أنشئ النظام العسكري الجديد في الأراضي الفلسطينية المحتلة إضافة إلى النظام القانوني متعدد الطبقات القائم آنذاك، والمكوّن من قوانين عثمانية وبريطانية وأردنية ومصرية، والتي تشكل إرث القوى التي كانت تسيطر على المنطقة سابقا.
وفي عام 1994، أدت اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، وتم منحها سيطرة محدودة على الشؤون المدنية الفلسطينية في المراكز الحضرية. وفشلت اتفاقيات أوسلو في إنهاء الاحتلال، بل نصت على تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية مختلفة ذات مستويات متنوعة من الولاية العسكرية والمدنية الفلسطينية والإسرائيلية، مما زاد من شرذمة الفلسطينيين وتفرقتهم بما يتماشى مع مصلحة إسرائيل. وبالرغم من أن إسرائيل أخلت المستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة في عام 2005، فقد احتفظت بالسيطرة الفعلية على القطاع، وشددت السيطرة عليه بشكل أكبر من خلال حصار جوي وبحري وبري غير قانوني، ومن خلال سياسة رسمية تتمثل في فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وذلك في أعقاب سيطرة حركة حماس على القطاع بعد عامين من الانسحاب الاسرائيلي. ونتيجةً لذلك، لا تزال أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة خاضعة بالكامل للاحتلال العسكري الإسرائيلي، حيث تتحكم إسرائيل في نواحي حياة السكان الفلسطينيين الذين يعيشون هناك، وفي مواردهم الطبيعية، كما تسيطر وتتحكم بحدودهم البرية والبحرية وفي مجالهم الجوي باستثناء الحدود الجنوبية الصغيرة لقطاع غزة مع مصر. ولا يزال هناك مجموعتان من النظم القانونية الدولية المكملة اللتان تنطبقان على ممارسات إسرائيل باعتبارها قوة احتلال ذات سيطرة فعلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهما: القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.
ويتعين على الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة في ظل تلك الولايات القانونية المنفصلة أن يحصلوا على تصاريح من السلطات الإسرائيلية للعبور فيما بين المناطق المختلفة، من قبيل الدخول إلى قطاع غزة أو الخروج منه، وكذلك التنقل من القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل، وإليها ومن باقي مناطق الضفة الغربية وإليها. كما أن هؤلاء الفلسطينيين مفصولون عن الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، سواء جغرافيًا أو على أساس مكانتهم القانونية. وفي الوقت نفسه، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون الذين هجروا خلال النزاع من عام 1947 إلى عام 1949 معزولين فعليا عن أولئك الذين يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال استمرار إسرائيل في حرمانهم من حقهم بالعودة إلى ديارهم وبلداتهم وقراهم.
ويخضع الفلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية للقوانين المدنية الإسرائيلية التي تمنحهم عموما قدرا أكبر من أشكال الحماية للحريات وحقوق الإنسان بالمقارنة مع الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أنها تحرمهم من الحقوق المتساوية مع حقوق اليهود الإسرائيليين (بما في ذلك المساواة في المشاركة السياسية، وتضفي الطابع الممأسس على التمييز المجحف ضدهم. وبينما يعيش الفلسطينيون في القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل، أيضًا في ظل القوانين المدنية الإسرائيلية، فإنهم يُمنحون إقامة دائمة، ولا يُمنحون الجنسية. ومن ناحية أخرى لا يزال الفلسطينيون في باقي مناطق الضفة الغربية خاضعين للحكم العسكري الإسرائيلي، ولأوامر عسكرية شديدة القسوة اعتمدت منذ عام 1967. ولم تعد الغالبية العظمى من هذه الأوامر مطبقة على قطاع غزة، بعد أن ألغت إسرائيل معظم جوانب حكمها العسكري هناك مع إخلاء المستوطنين من مستوطنات غلاف غزة عام 2005. وبالإضافة إلى ذلك، يخضع الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة للقوانين الفلسطينية وغيرها.
وفي الوقت الراهن يشكل الفلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية ومن حملة الإقامة الدائمة في إسرائيل حوالي 21 بالمئة من سكانها، ويبلغ تعدادهم نحو 1.9 مليون نسمة. ويعيش حوالي 90 بالمئة من الفلسطينيين الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية في 139 بلدة وقرية ذات كثافة سكانية عالية في منطقتي الجليل والمثلث في شمال إسرائيل، وفي منطقة النقب في الجنوب، وذلك نتيجة لسياسات العزل المتعمد. وتعيش الأغلبية العظمى من الباقين الذين يشكلون حوالي 10 بالمئة، في "مدن مختلطة".
ووفقا للوضع في يوليو/ تموز 2021، كان هناك 358,800 فلسطيني يقيمون في حدود بلدية القدس ويشكلون حوالي 38 بالمئة من تعداد سكان المدينة. ومن بين هؤلاء حوالي 150 ألف شخص يعيشون في مناطق معزولة عن باقي المدينة بفعل الجدار وغيره من نقاط الفصل والتفتيش العسكرية. كما كان هناك حوالي 225,178 من المستوطنين اليهود الإسرائيليين يقيمون في القدس الشرقية في 13 مستوطنة غير قانونية ومنازل خاصة شيدتها السلطات الإسرائيلية على أراضي وممتلكات استولت عليها وانتزعت ملكيتها من فلسطينيين بموجب نظم تتسم بالتمييز المجحف.
ويعيش حوالي ثلاثة ملايين فلسطيني في باقي مناطق الضفة الغربية، بالإضافة إلى أكثر من 441,600 مستوطن يهودي يقيمون في 132 مستوطنة أقامتها هناك الحكومة الإسرائيلية بشكل رسمي، و 140 بؤرة استيطانية غير مصرح بها أقيمت من دون موافقة الحكومة منذ التسعينيات من القرن العشرين وتعتبر غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي. ويعيش حوالي مليوني فلسطيني في قطاع غزة ومن بينهم حوالي 1.4 مليون أي أكثر من 70 بالمئة من السكان مسجلين كلاجئين لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى - الأونروا.
التفرقة القانونية والسيطرة
كان من شأن الحكم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال الأوامر العسكرية في إطار احتلالها أن يعزّز الفكرة الخاطئة بأن النظام العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة منفصل عن النظام المدني في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل وداخل إسرائيل. وتتجاهل هذه الفكرة الحقيقة المتمثلة في أن كثيرًا من عناصر النظام العسكري القمعي الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد نشأت أصلاً خلال الحكم العسكري الإسرائيلي المطبق على الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية طيلة 18 عاما (1948-1966)، وحقيقة أن نزع ملكية الفلسطينيين على الأراضي في إسرائيل مستمر في الوقت الحالي.
إلا أن مجرد وجود تلك النظم القانونية المنفصلة هو واحد من الأدوات الأساسية التي تعمل إسرائيل من خلالها على شرذمة الفلسطينيين وإنفاذ نظامها القائم على الاضطهاد والهيمنة، كما أنها تستخدم للتغطية على وجود النظام الأبارتهايد الإسرائيلي نفسه"، حسبما أشارت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا). والواقع أن السياسات الإسرائيلية تهدف إلى شرذمة الفلسطينيين وتقسيمهم إلى فئات متباينة من حيث السيطرة الجغرافية والقانونية، ليس فقط لكي تعاملهم بشكل مختلف عن السكان اليهود، أو لكي تفرّقهم عنهم، بل أيضًا لكي تتعامل مع كل فئة بشكل مختلف عن الأخرى، من أجل إضعاف الروابط بين المجتمعات الفلسطينية لقمع أي شكل من المعارضة المستدامة للنظام الذي أنشأته، وضمان المزيد من السيطرة السياسية والأمنية الفاعلة على السكان الفلسطينيين في شتى أنحاء الأراضي.
استخدام الحكم العسكري للسيطرة ونزع الملكية
استخدمت إسرائيل الحكم العسكري، على مر السنين، كوسيلة أساسية لإرساء نظام الاضطهاد والهيمنة الذي تفرضه على الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، وتُطبقه على الفئات المختلفة من الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل شبه مستمر منذ عام 1948 - باستثناء فترة سبعة أشهر في عام 1967 - لتوسيع رقعة الاستيطان اليهودي في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، ونزع ملكية الفلسطينيين لأرضهم وممتلكاتهم متستّرةً بذريعة الحفاظ على الأمن.
وقد وضعت إسرائيل الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية تحت الحكم العسكري طوال الثمانية عشر عامًا الأولى من وجودها (1948-1966)، واستخدمت خلال تلك الفترة أنظمة الدفاع (الطوارئ الخاصة بالانتداب البريطاني، الذي منحها سلطات غير محدودة تتيح لها السيطرة على تنقل السكان الفلسطينيين، ومصادرة ممتلكاتهم، وإغلاق قرى بأكملها كمناطق عسكرية، وهدم منازلهم، ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية. وكان على الفلسطينيين الحصول على تصاريح لمغادرة مناطق إقامتهم لأي سبب، بما في ذلك الوصول إلى الرعاية الطبية وأماكن عملهم. وأخضعت مؤسسات الدولة الإسرائيلية الفلسطينيين لنظام من المراقبة والسيطرة قيد حرياتهم السياسية عمدًا، من خلال حظر الاحتجاجات والقبض على النشطاء السياسيين بسبب أنشطتهم السياسية.
وألغت إسرائيل، في نهاية الأمر الحكم العسكري للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية في ديسمبر / كانون الأول 1966، بعد أن نجحت في منع الفلسطينيين المهجرين داخليًا من العودة إلى ديارهم في القرى المهجرة عن طريق تدميرها وتشجير أرضهم. وبالرغم من رفع القيود عن تنقلات الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية تدريجيًا وتحسن وضع حقوقهم الإنسانية إلى حد بعيد دون شك منذ انتهاء الحكم العسكري، فقد بقيت فعليا بعض عناصر ذلك النظام. إذ لم يُلغَ العمل بأحكام أنظمة حالة الطوارئ مطلقا ووسع نطاق تطبيقه بدءًا من عام 1967 ليشمل الضفة الغربية وقطاع غزة للسيطرة على السكان الفلسطينيين هناك، ومنع أي شكل من أشكال الاحتجاج، والسماح للدولة الإسرائيلية بنزع ملكية الفلسطينيين لأرضهم ومواردهم. وبالإضافة إلى التشريعات مثلت الخبرة التي تراكمت لدى السلطات الإسرائيلية خلال الحكم العسكري للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية الأساس للإدارة العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبالرغم من إقامة السلطة الفلسطينية تستمر السيطرة الإسرائيلية على جميع مناحي حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وتقييدها، من خلال ما يزيد على 1800 أمر عسكري إسرائيلي، بما في ذلك سبل كسب الرزق، والحالة القانونية والتنقل، والنشاط السياسي، والاعتقال والمحاكمة، وإمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية. ويُفرض القانون العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية من خلال نظام القضاء العسكري. وألقت السلطات الإسرائيلية منذ عام 1967 القبض على نحو 800 ألف رجل وامرأة وطفل فلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة، وقدمت كثيرين منهم إلى محاكم عسكرية ينقصها بشكل ممنهج الوفاء بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، حيث تنتهي الأغلبية العظمى من المحاكمات بالإدانة.
وأخضع الفلسطينيون من قطاع غزة للقانون العسكري الإسرائيلي، وكانوا يُحاكمون أمام المحاكم العسكرية، إلى أن فككت إسرائيل مستوطناتها في عام 2005. واستمر منذ ذلك الحين تطبيق عناصر من القانون العسكري الإسرائيلي على القطاع فيما يتعلق بانتقال الأشخاص والسلع من غزة وإليها، والوصول إلى المياه الإقليمية للقطاع والمنطقة العازلة" على طول السياج الذي يفصل بين إسرائيل وغزة.
وعلى النقيض من ذلك، أعفت إسرائيل المستوطنين اليهود في أواخر السبعينيات من الأوامر العسكرية التي تحكم الفلسطينيين، بعد أن وسعت تطبيق قانونها المدني خارج أراضيها ليشمل المواطنين الإسرائيليين القاطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الذين يتنقلون فيها. وبموجب ذلك يُحاكم المستوطنون اليهود في الضفة الغربية المحتلة أمام المحاكم المدنية الإسرائيلية.
الحرمان من المواطنة والإقامة والحياة الأسرية
تبقي إسرائيل على نظامها القائم على شرذمة الفلسطينيين وتفرقتهم من خلال أنظمة قانونية مختلفة تضمن حرمانهم من حقوق المواطنة والحالة القانونية، وتنتهك حقهم في لم شمل الأسر، والعودة إلى بلدهم وديارهم، وتقيّد بشدة حريتهم في التنقل استنادًا إلى الحالة القانونية. ويُقصد بكل هذه الأنظمة السيطرة على السكان الفلسطينيين، وتهدف إلى الحفاظ على أغلبية يهودية إسرائيلية في المناطق المهمة في شتى أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبالرغم من منحهم الجنسية، إلا أن الفلسطينيين في إسرائيل محرومون من الحقوق المرتبطة بالقومية (اليهودية)، مما يخلق تفرقة قانونية بينهم وبين الإسرائيليين اليهود. كما يحرمون من بعض الامتيازات بسبب الإعفاء من الخدمة العسكرية المرتبط بذلك.
ومن ناحية أخرى، فالسكان الفلسطينيون في القدس الشرقية ليسوا مواطنين إسرائيليين. وبدلا من ذلك، منحوا وضع إقامة دائمة هش يسمح لهم بالإقامة والعمل في المدينة، والتمتع بمزايا اجتماعية توفرها مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي والتأمين الصحي الوطني. بيد أن السلطات الإسرائيلية تقوم بموجب تشريعات وسياسات تتسم بالتمييز المجحف بإلغاء وضع الإقامة الدائمة لآلاف الفلسطينيين ولبعضهم بأثر رجعي، إذا لم يتمكنوا من إثبات أن مركز حياتهم" في القدس، ولذلك عواقب وخيمة على حقوقهم الإنسانية. وعلى النقيض من ذلك، يتمتع المستوطنون اليهود الإسرائيليون المقيمون في القدس الشرقية بالجنسية الإسرائيلية، ويُعفون من الخضوع للقوانين والإجراءات التي تستهدف السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية.
وفي الوقت نفسه، تسيطر إسرائيل على السجل السكاني في الضفة الغربية وغزة منذ عام 1967، وتفرض سياسات وقيودًا وإجراءات للسيطرة على التركيبة السكانية لتلك الأراضي. وما زال الفلسطينيون في تلك الأراضي بلا جنسية، ويُعتبرون منعدمي الجنسية، باستثناء من حصلوا على جنسية من بلد آخر. ويصدر الجيش الإسرائيلي لهم بطاقات هوية تمكنهم من الإقامة الدائمة والعمل في تلك الأراضي. وساعدت سيطرة إسرائيل على سجل السكان منذ عام 1967 في تسهيل شرذمة الفلسطينيين، وتقييد حريتهم في التنقل استنادًا إلى حالتهم القانونية، وإلى مكان إقامتهم.
وبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في نهاية عام 2000، قامت الإدارة المدنية الإسرائيلية، وهي وحدة عسكرية تشرف على جميع الشؤون المدنية للمستوطنين اليهود الإسرائيليين والسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية، بتجميد معظم التغييرات في السجل السكاني الفلسطيني دون إخطار مسبق للسلطة الفلسطينية. وشمل التجميد تعليق جميع إجراءات لم شمل الأسر" للسكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة الذين تزوجوا من مواطنين أجانب. وبالرغم من أن إسرائيل منذ ذلك الحين التزمت مرتين بالموافقة على عدد صغير من طلبات لم الشمل كبادرة حسن نية دبلوماسية تجاه السلطة الفلسطينية التي تتخذ من رام الله مقرا لها، فهي مستمرة على وجه العموم، في رفض منح حق الإقامة لعشرات الآلاف من المواطنين الأجانب المتزوجين من فلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا أمر ينطوي على تمييز بالغ، إذ لا يتعرض المستوطنون اليهود المقيمون في المستوطنات في الضفة الغربية لأي قيود في الحصول على تصاريح من السلطات الإسرائيلية لدخول من يتزوجون إلى الأراضي المحتلة والإقامة معهم.
في أوائل عام 2003، بدأت إسرائيل تحظر على الفلسطينيين المسجلين في غزة الإقامة في الضفة الغربية، وألقت القبض على الآلاف ونقلتهم قسرًا إلى قطاع غزة، بعد أن أطلقت عليهم وصف "المتسللين". وعلى مر السنين سمحت السلطات الإسرائيلية لبعض الفلسطينيين بتغيير عناوينهم من قطاع غزة إلى الضفة الغربية لكنها لم تنفذ التزامها إلا جزئيًا. وفي الوقت نفسه، ما زال آلاف الفلسطينيين غير موثقين في غزة، حيث ترفض السلطات الإسرائيلية تقنين حالتهم القانونية منذ عام 2008.
ولتلك السياسات عواقب وخيمة على قدرة الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على عيش حياة عادية، وخصوصاً في ظل القيود الخانقة على التنقل. فالفلسطينيون غير المسجلين في الضفة الغربية يتعرضون لخطر الترحيل الوشيك، ولا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والمزايا الاجتماعية، وفتح حساب مصرفي، والحصول على وظائف بشكل قانوني، وهم سجناء فعليا في منازلهم بسبب الخوف من فحص الهوية الوثائق القانونية ) على الحواجز الإسرائيلية. والفلسطينيون غير الموثقين في غزة محرومون كذلك من حرية التنقل والحصول على الرعاية الصحية والتعليم في أجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الخارج. وعلى وجه العموم، تعرقل القيود المفروضة على لم شمل الأسر تمتع الفلسطينيين بحقهم في الخصوصية، وفي الحياة الأسرية، وفي الزواج مانعة إياهم من منححق الإقامة لمن يتزوجون ولأبنائهم.
وتستمر إسرائيل في حرمان اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم في النزاع من عام 1947 إلى عام 1949 وفي النزاع عام 1967، وكذلك أبنائهم وأحفادهم من حقهم في الحصول على الجنسية الإسرائيلية، أو الهوية الفلسطينية، أو حق الإقامة في إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهي بذلك تحرمهم من حقهم في العودة إلى أماكن معيشتهم السابقة وإلى ممتلكاتهم، وهو حق معترف به على نطاق واسع بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
عرقلة الحياة الأسرية
بالإضافة إلى الإجراءات التي تفرّق شمل الأسر داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، سنت إسرائيل قوانين وسياسات تتسم بالتمييز المجحف، إذ تعرقل الحياة الأسرية للفلسطينيين على الجهة الأخرى من الخط الأخضر، في مثال واضح على الطريقة التي تشرذم بها إسرائيل الفلسطينيين وتفرقهم من خلال نظام واحد من الهيمنة. وهذه القوانين والسياسات، مثلها مثل الإجراءات الأخرى التي وثقتها منظمة العفو الدولية، تسترشد أساسا باعتبارات ديموغرافية وليست أمنية، وتهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر إلى أقل حد ممكن من أجل الحفاظ على أغلبية يهودية.
وتعتمد إسرائيل، منذ عام 2002، سياسة تحظر على الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة، الحصول على حالة قانونية في إسرائيل والقدس الشرقية من خلال الزواج، وتمنع بذلك لم شمل الأسر. وقد كرس قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل هذه السياسة في القانون منذ عام 2003 حتى انقضاء العمل به في يوليو/ تموز 2021. ومنع هذا القانون آلاف الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية وفي القدس الشرقية من العيش هناك مع من يتزوجون من الفلسطينيين من الضفة الغربية وغزة. وصرح وزير الداخلية الإسرائيلي آنذاك بأن الحاجة إلى القانون كانت بسبب "الإحساس بأن ذلك لم الشمل يستغل في تحقيق حق العودة بطريقة متوارية ..."
وقد نص ذلك القانون الذي صدر عام 2003 على عدم السماح للأزواج والزوجات من الضفة الغربية وغزة بالحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية الإسرائيلية. وبدلا من ذلك حصل من قبلت طلباتهم على تصاريح مؤقتة مدتها ستة أشهر. وعلى مر السنين، أدخلت تعديلات على القانون وسعت نطاقه لتشديد القيود على لم شمل الأسر للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية أو منعه بشكل كامل.
وعندما خسرت الحكومة الإسرائيلية في التصويت على تمديد القانون، في يوليو/ تموز 2021، أشارت إلى اعتزامها الاستمرار في العمل بهذه السياسة على الرغم من عدم تمديد القانون. وأصدر وزير الداخلية تعليمات بعدم قبول طلبات الفلسطينيين للم الشمل إلى أن يصدر تشريع جديد أو مماثل. وتقول السلطات الإسرائيلية إن هذه السياسة ضرورية لأسباب أمنية"، لكنها تُطبق بشكل جارف دون عرض دليل عيني ضد أفراد محددين.
وعلى النقيض من ذلك، كان القانون صريحًا في عدم انطباقه على المقيمين في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية الراغبين في الزواج والعيش مع من يتزوّجون داخل إسرائيل، وهو ما يجعل القانون والسياسة المستمرة التي يقوم عليها متسمان بالتمييز المجحف السافر.
القيود على التنقل
تفرض السلطات الإسرائيلية منذ أواسط التسعينيات نظام إغلاق داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وبينها وبين إسرائيل، وأخضعت بذلك ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة تدريجيًا لقيود خانقة ومتزايدة على التنقل استنادًا إلى حالتهم القانونية. تعتبر هذه القيود أداة أخرى تعمل إسرائيل من خلالها على عزل الفلسطينيين في جيوب منفصلة، وتقوم بعزلهم عن بعضهم وعن العالم، وبفرض هيمنتها في نهاية الأمر.
وتسيطر إسرائيل على جميع نقاط الدخول والخروج في الضفة الغربية، وتسيطر على جميع طرق السفر داخل الضفة الغربية والخارج. كما تسيطر إسرائيل على جميع أشكال تنقل الأشخاص إلى قطاع غزة ومنه إلى بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل من خلال معبر إيريز، وهو نقطة عبور الأشخاص من غزة إلى إسرائيل. تُطبق السلطات المصرية أيضًا قيودًا مشددة على معبر رفح بين قطاع غزة ومصر). ولا يمكن للفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة، باستثناء المقيمين في القدس الشرقية الذين يتمتعون بحق الإقامة الدائمة في إسرائيل السفر إلى الخارج عن طريق المطارات الإسرائيلية ما لم يحصلوا على تصريح خاص، والذي لا يصدر إلا لكبار رجال الأعمال وفي الحالات الإنسانية الاستثنائية.
ويمكن للقوات العسكرية والأمنية الإسرائيلية منع أي فلسطيني في الضفة الغربية من السفر إلى الخارج وهو ما يحدث في الكثير من الحالات استنادًا إلى معلومات سرية" لا يمكن للفلسطينيين الاطلاع عليها، ومن ثم عدم إمكانية الطعن فيها. وقد شمل هذا الحظر مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء يسافرون إلى الخارج للدعوة لمناصرة الحقوق الفلسطينية.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين في غزة، فالسفر إلى الخارج يكاد يكون مستحيلاً في ظل الحصار الإسرائيلي غير القانوني، والقيود المصرية المشددة المطبقة في معبر رفح وينبغي للغزاويين الحصول على تصاريح رسمية من الإدارة المدنية الإسرائيلية لمغادرة غزة عن طريق معبر إيريز، والتي لا تقبل بمنحهذه التصاريح إلا في استثناءات نادرة. وهذا الوضع فرّق فعليا الفلسطينيين في قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل وبقية العالم.
ويُسمح للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية بالسفر إلى الخارج عن طريق المعابر والمنافذ نفسها التي يسافر منها المواطنون اليهود، إلا أنهم لا زالوا يبلغون عن تعرضهم لفحوص واستجوابات أمنية مهينة وعنصرية تخصهم وحدهم في المطارات الإسرائيلية بسبب هويتهم القومية، وذلك على الرغم من بعض التحسن الذي تحقق نتيجة التماس قانوني قدمته جمعية حقوق إنسان إسرائيلية في عام 2007. وبالإضافة إلى ذلك، تواصل السلطات الإسرائيلية منع آلاف الأزواج والزوجات الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المحتلة والمقيمين في إسرائيل بشكل قانوني بموجب تصاريح الإقامة العسكرية المؤقتة من التمتع بالحق نفسه.
ويمثل التنقل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بالنسبة إلى الفلسطينيين مسألة صعبة، ومضيعة للوقت، وتخضع لاعتبارات إستراتيجية إسرائيلية تحابي المستوطنات اليهودية وما يرتبط بها من بنية تحتية. وهو بهذا المعنى يديم شعورًا بالعجز والخضوع للهيمنة في حياة الفلسطينيين اليومية. وقد فرضت إسرائيل نظام إغلاق شامل على تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية عقب اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000، وما زال ذلك النظام ساريًا بأشكال مختلفة. ويتضمن هذا النظام شبكة من مئات الحواجز العسكرية الإسرائيلية، وسواتر ترابية، وبوابات على الطرق، بالإضافة إلى الطرق المغلقة والجدار الملتف.
وقد أدى الجدار، الذي يبلغ طوله 700 كيلومتر، وتواصل إسرائيل تشييده بشكل غير قانوني، في أغلب الحالات على الأراضي الفلسطينية داخل الضفة الغربية المحتلة، إلى عزل 38 بلدة وقرية فلسطينية في الضفة الغربية تضم 9.4 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وحصرها في جيوب منعزلة تُعرف باسم "مناطق التماس"، وإجبار سكانها على الحصول على تصاريح خاصة لدخول ديارهم والخروج منها والحصول على تصاريح منفصلة للوصول إلى أراضيهم الزراعية.
وتسمح إسرائيل عمومًا للنساء فوق سن الخمسين والرجال فوق سن الخامسة والخمسين بدخول القدس الشرقية أو إسرائيل من الضفة الغربية دون تصاريح، ما لم يكن لهم سجل أو حظر "أمني". ومن ناحية أخرى، لا يمكن للفلسطينيين من قطاع غزة، بموجب سياسة "الفصل العسكري الإسرائيلية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، دخول الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، إلا لأصحاب الحالات الطبية العاجلة والمهددة للحياة، والأعمال التجارية الحيوية، والحالات الإنسانية الاستثنائية. وينبغي للفلسطينيين الحصول على تصاريح عسكرية إسرائيلية، وهو أمر أصبح شبه مستحيل ليتمكنوا من السفر بين المنطقتين، كل ذلك مع غياب إجراءات واضحة فيما يخص تقديم الطلب أو الحصول على نتيجة.
يعتبر نظام التصاريح إجراء عسكري، وبيروقراطي، وتعسفي لا يُطبّق إلا على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يُطبّق على المستوطنين اليهود، والمواطنين الإسرائيليين والرعايا الأجانب الذين يمكنهم عموما التنقل بحرية داخل الضفة الغربية وبينها وبين إسرائيل.
القيود على الحق في المشاركة السياسية
بالرغم من أن القوانين والسياسات الإسرائيلية تُعرّف الدولة بأنها ديمقراطية، فإن شرذمة الشعب الفلسطيني تعكس كون النسخة الإسرائيلية من الديمقراطية تُفضّل بشكل ساحق المشاركة السياسية لليهود الإسرائيليين. وبالإضافة إلى ذلك، تفرض مجموعة من القوانين والسياسات الإسرائيلية قيودا على تمثيل الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية في عملية صنع القرار، في الكنيست أساسا، وتقوض هذا التمثيل.
ومن المهم الإشارة إلى أن القانون الدستوري الإسرائيلي يمنع المواطنين الإسرائيليين من الطعن في تعريف إسرائيل كدولة يهودية، وبذلك الطعن عمليا في أي من القوانين التي تكون هذه الهوية. وفي حين يمكن للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية التصويت والترشح في الانتخابات العامة، إلا أن حقهم في المشاركة السياسية محدود، ويستمر النظر إليهم على أنهم "الأعداء من الداخل".
وبموجب قانون أساس: الكنيست من العام 1958، يجوز أن تستبعد لجنة الانتخابات المركزية أي حزب أو مرشح من المشاركة في الانتخابات إذا كان من أهدافه أو أفعاله رفض تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية؛ أو التحريض على العنصرية؛ أو تأييد المقاومة المسلحة لدولة معادية أو لمنظمة إرهابية ضد إسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، يُحظر تسجيل أي حزب تنكر أهدافه أو أفعاله، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية" وذلك بموجب قانون الأحزاب السياسية لعام 1992.
وعلى مر السنين، أسقطت المحكمة العليا بشكل عام، محاولات من جانب لجنة الانتخابات المركزية لحظر أحزاب فلسطينية واستبعاد مرشحين فلسطینپین بدعوی انتهاك هذه البنود، استنادًا إلى تصريحات علنية تعبّر عن آراء اعتبرت غير مقبولة لأغلبية أعضاء الكنيست. غير أن هذه البنود تمنع النواب الفلسطينيين في الكنيست من الطعن في القوانين التي تقنن الهيمنة اليهودية الإسرائيلية على الأقلية الفلسطينية، وتحد بلا داعٍ من حريتهم في التعبير، وتعرقل نتيجة لذلك قدرتهم على تمثيل ناخبيهم بفعالية.
وتصاحب القيود على حق الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية في المشاركة في الانتخابات تعديات أخرى على حقوقهم المدنية والسياسية، تحد من المدى الذي يمكنهم من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية في إسرائيل. ومن بين هذه التعديات تصدّي الشرطة الذي يتسم بطابع عرقي عنصري للاحتجاجات والاعتقالات الجماعية التعسفية، واستخدام القوة بشكل غير قانوني ضد المحتجين خلال المظاهرات المناهضة للقمع الإسرائيلي داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. تهدف مثل هذه الإجراءات التي تستهدف المحتجين السلميين إلى منع المزيد من المظاهرات وإسكات أصوات المعارضة. وعقب القبض على الفلسطينيين عادة ما يودعون رهن الحبس على ذمة المحاكمة. وعلى النقيض من ذلك، يُمنح المحتجون اليهود عمومًا الإفراج بكفالة. ويشير هذا إلى معاملة الفلسطينيين بطريقة تتسم بالتمييز المجحف من جانب نظام القضاء الجنائي الذي يعامل الفلسطينيين، فيما يبدو، على أنهم "مشتبه بهم" بدلا من تقييم التهديد الفعلي الذي يمثله كل فرد على حدة.
وتفرض إسرائيل قيودًا مشددة على الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين وخصوصا في الضفة الغربية، حيث لا تزال الأوامر العسكرية سارية المفعول. فقد حظرت السلطات الإسرائيلية منذ عام 1967 ما يزيد على 400 منظمة فلسطينية، من بينها جميع الأحزاب السياسية الرئيسية وعدة منظمات بارزة من منظمات المجتمع المدني التي تحظى بالتقدير على نطاق واسع لتقديمها خدمات حيوية مثل المساعدة القانونية والرعاية الطبية، وكذلك النوعية تقارير حقوق الإنسان التي تعدّها، ودعوتها لمناصرة حقوق الإنسان، وكان أحدث حظر لمنظمات في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. وبالإضافة إلى ذلك، كثيرا ما تحاكم السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين بتهمة "العضوية والنشاط في جمعية غير مشروعة"، وهي تهمة كثيرًا ما تُوجّه إلى النشطاء المناهضين للاحتلال. وعلى مر السنين، ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على عشرات من النواب الفلسطينيين، وأودعتهم رهن الاعتقال الإداري، أو حاكمتهم أمام محاكم عسكرية ضمن محاكمات لا تفي بالمعايير الدولية. وفي الوقت نفسه، ينص الأمر العسكري 101 بشأن حظر أعمال التحريض والدعاية المعادية على تجريم الفلسطينيين ومعاقبتهم في حالة حضور وتنظيم أي تجمع لعشرة أفراد أو أكثر دون تصريح بشأن مسألة قد تفسّر على أنها سياسية". ولا يُعرف الأمر ما هو المقصود بكلمة "سياسية"، وهو يحظر فعليا الاحتجاجات، بما في ذلك الاحتجاجات السلمية، ويفرض عقوبة السجن لمدة أقصاها 10 سنوات، أو غرامة مالية كبيرة، أو كليهما، لكل من يخالف هذا الأمر.
ومن ناحية أخرى، لا يستطيع الفلسطينيون في القدس الشرقية المشاركة في الحياة السياسية لا في إسرائيل ولا في الضفة الغربية. وبالرغم من أنه يمكنهم التصويت والترشح في الانتخابات البلدية في القدس، فقد دأبوا على مقاطعتها احتجاجا على الاحتلال الإسرائيلي المستمر والضم غير المشروع للقدس الشرقية، وما زالوا يتعرضون للإقصاء في الانتخابات القطرية.
ونتيجة لذلك، تبقى الاحتجاجات بالنسبة إلى الفلسطينيين الوسيلة الوحيدة للتأثير في السياسة الإسرائيلية، وتحدّي نظام الاضطهاد والهيمنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعلى مر السنين، حشد الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية المحتلة ونظموا مقاومة شعبية غير عنيفة ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي وضد توسيع المستوطنات، وقد قوبل ذلك بطريقة ممنهجة بالقوة المفرطة وغير القانونية وبالاعتقالات الجماعية، والمحاكمات أمام المحاكم العسكرية، فضلاً عن قيود لا مبرر لها على حرية التنقل. وبالرغم من "الانسحاب" من قطاع غزة عام 2005 ، فقد استمر الفلسطينيون في القطاع بالتعرض للقمع الإسرائيلي جراء مقاومتهم الشعبية للاحتلال وتضمن هذا القمع استخدام القوة المفرطة والمميتة في كثير من الأحيان خلال الاحتجاجات قرب السياج الذي يفصل غزة عن إسرائيل.
مصادرة الأراضي والممتلكات
في عام 1948، كانت ملكية الأفراد والمؤسسات اليهودية تبلغ حوالي 6.5 بالمئة من أراضي فلسطين الانتدابية، بينما كان الفلسطينيون يملكون نحو 90 بالمئة من الأراضي المملوكة بملكية خاصة هناك. وخلال فترة تزيد قليلاً على الـ 70 عامًا انقلب الوضع يرمته.
قامت دولة إسرائيل منذ إنشائها بعمليات استيلاء قاسية وواسعة النطاق على الأراضي، لنزع ملكية الفلسطينيين لأراضيهم ومنازلهم وإبعادهم عنها. وبالرغم من أن الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة يخضعون لنظامين قانونيين وإداريين مختلفين، فقد استخدمت إسرائيل إجراءات متشابهة لمصادرة ملكية الأرض في جميع المناطق التي تسيطر عليها في إطار سياسة التهويد التي تهدف إلى زيادة السيطرة اليهودية على الأرض إلى أقصى حد مع حصر مكان عيش الفلسطينيين فعليا في جيوب منعزلة ومنفصلة وكثيفة السكان لتقليص وجودهم إلى أدنى حد ممكن. وتتبع هذه السياسات بشكل مستمر في إسرائيل منذ عام 1948 في المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية التي تضم أعدادًا كبيرة من السكان الفلسطينيين مثل منطقتي الجليل والنقب، كما امتدت ليتم تطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967. وفي الوقت الراهن، تعتبر الجهود الإسرائيلية المستمرة لدفع الفلسطينيين لترك ديارهم قسرًا في كل من النقب والقدس الشرقية والمنطقة "ج" في الضفة الغربية، تحت وطأة أنظمة التخطيط والبناء التي تتسم بالتمييز المجحف "الجبهة الجديدة لنزع الملكية" لإبعاد الفلسطينيين والتعبير الظاهر عن إستراتيجية التهويد والسيطرة على الأراضي.
ولا يزال نظام الأراضي الذي أنشئ بمعظمه بعد قيام إسرائيل بفترة وجيزة ولم يُلغ مطلقا، يمثل جانبا حاسما من نظام الاضطهاد والهيمنة ضد الفلسطينيين. وقد تألف هذا النظام من عدة تشريعات، وإعادة تفسير للقوانين البريطانية والعثمانية الموجودة سابقًا، وشمل أيضا مؤسسات حكومية وشبه حكومية معنية بالأراضي، وجهاز قضائي داعم مكن إسرائيل من الاستحواذ على أرض الفلسطينيين وإعادة تخصيصها بطريقة تتسم بالتمييز المجحف في شتى المناطق التي تسيطر عليها اسرائيل.
وقد وقعت معظم عمليات الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم وتدمير قراهم داخل إسرائيل في أواخر الأربعينيات وطوال الخمسينيات من القرن العشرين، ومع ذلك فقد استمرت عمليات نزع ملكية واسعة النطاق وذات دوافع عنصرية حتى السبعينيات. وما زالت نتائج هذه العمليات تؤثر تأثيرًا حادًا على الفلسطينيين، إذ لا زال محظورًا عليهم الوصول إلى الأراضي والممتلكات التي كانت ملكهم أو ملك عائلاتهم في عام 1948 واستخدامها. كما ساهم نزع الملكية في عزل المواطنين الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية وإقصائهم من المجتمع الإسرائيلي، واعتبارهم مجموعة ذات حقوق أقل بشكل دائم لا حق لها في المطالبة بالوصول إلى الأراضي والممتلكات التي توارثتها عائلاتهم على مر الأجيال.
وتمثل ثلاثة تشريعات أساسية جوهر نظام الأراضي الإسرائيلي، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في هذه العملية، وهي: قانون أملاك الغائبين قانون نقل الملكية لعام 1950 ؛ وقانون استملاك الأراضي لعام 1953 الذي "قنّن" بأثر رجعي مصادرة الأراضي التي سيطرت عليها الدولة، والقرى والبلدات اليهودية التي أقيمت حديثا، والجيش الإسرائيلي باستخدام أنظمة حالة الطوارئ بعد النزاع بين عامي 1947 و 1949؛ ومرسوم الأراضي البريطاني استملاك الأراضي للأغراض العامة لعام 1943 الذي مكن وزير المالية من مصادرة الأراضي لأي غرض عام، وكان لهذه القوانين التي لا تزال سارية المفعول دور أساسي في مصادرة أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم والاستحواذ عليها، وهو ما أفضى على مر السنين إلى حصر ملكيتها في يد إسرائيل والمؤسسات القومية اليهودية. ومنذ ضم القدس الشرقية عام 1967 ، يُستخدم نظام الأراضي الإسرائيلي بأكمله في القدس الشرقية لمصادرة أراضي الفلسطينيين، وتحويلها لتصبح بصورة أساسية أراض مملوكة للدولة. كما سنت السلطات الإسرائيلية أدوات قانونية إضافية تؤثر على حق الفلسطينيين في الأرض والسكن في القدس الشرقية.
وقد منح قانون أملاك الغائبين الدولة فعليا السيطرة على جميع ممتلكات الفلسطينيين الذين طردوا أو فروا من منازلهم بغض النظر عما إذا كانوا قد أصبحوا لاجئين خارج البلاد أم لا، أو ما إذا كانوا قد هجروا داخليا من قراهم ومنازلهم واستقروا داخل إسرائيل، في القرى الفلسطينية القريبة في أغلب الحالات. وقد اعتبر هؤلاء "غائبين" رغم أنهم لم يعبروا قط أي حدود دولية وظلوا، في كثير من الحالات على بعد بضع كيلومترات من منازلهم وأراضيهم.
وكان تدمير قرية إقرث الفلسطينية قرب عكا في شمال إسرائيل مثالاً واضحًا على التطبيق القاسي لهذه السياسة. ففي عام 1948، أمر الجيش الإسرائيلي حوالي 600 شخص يسكنون في إقرث بمغادرة منازلهم "مؤقتا". لكن لم يُسمح لهم من حينه بالعودة لقريتهم مطلقًا. وقدم السكان التماسا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لمنحهم حقهم في العودة للقرية وقد تم قبول التماسهم. إلا أن وزارة الدفاع الإسرائيلية رفضت تنفيذ القرار خشية أن يُرسي سابقةً لعودة فلسطينيين آخرين ممن أجبروا قسرًا على مغادرة قراهم. ومن ثم، قامت الوزارة في عام 1951 بتدمير القرية باستثناء الكنيسة والمقبرة. ويضم مجتمع إقرث الفلسطيني الآن حوالي 1,500 فرد يعيش أغلبهم في الرامة على بعد حوالي 20 كيلومترا من قريتهم وما زالوا يكافحون لنيل حقهم في العودة إلى منازلهم وأراضيهم في إقرث.
وبالتوازي مع المصادرة المباشرة لملكية الأراضي على يد الحكومة الإسرائيلية، فقد نقلت جميع الممتلكات اليهودية التي كانت قائمة قبل عام 1948 في القدس الشرقية، وكانت في حوزة حارس أملاك العدو الأردني، إلى "الحارس العام" الإسرائيلي بموجب تعديل على قانون الشؤون القانونية والإدارية لعام 1970. حيث سمح القانون للمالك اليهودي الأصلي، أو ورثته القانونيين، بأن يطلبوا من الحارس العام" إعادة مثل هذه الممتلكات إليهم. وينطبق القانون على أصحاب الممتلكات اليهود فقط، وليس على الفلسطينيين الذين صودرت ممتلكاتهم في القدس الغربية بعد عام 1948، والذي يشكل مشروع تعويض يتسم بالتمييز المجحف الواضح.
ووفقًا لأحد التقديرات، فقد صادرت إسرائيل ملكية ما يزيد على 10 آلاف متجر ، و 25 ألف مبنى، وما يقرب من 60 بالمئة من الأراضي الخصبة التي يملكها اللاجئون الفلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية والقدس الشرقية بموجب قانون أملاك الغائبين.
إلى جانب قيام الحكومة الإسرائيلية بتخصيص الأراضي الفلسطينية المصادرة لتوسيع رقعة الاستيطان اليهودي في القدس اعتمدت جمعيات الاستيطان اليهودي مثل عطيرت كوهانيم والعاد، على قانون أملاك الغائبين لعام 1950 وقانون الشؤون القانونية والإدارية لعام 1970، في وضع مخطط قانوني من أجل تقديم دعاوى إخلاء ضد الفلسطينيين ونزع ملكيتهم عن ممتلكاتهم، والسماح للمستوطنين اليهود بالاستيطان في الأحياء ذات الغالبية الفلسطينية، والمضي قدما في توسيع البؤر الاستيطانية اليهودية هناك. وحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، كانت 199 عائلة فلسطينية تضم 877 شخصا تواجه في عام 2019 دعاوي إخلاء، أغلبها في البلدة القديمة وحي الشيخ جراح وحي سلوان. وتجري عمليات الاستيلاء على الأراضي والممتلكات التي تقوم بها جمعيات المستوطنين بمساندة مؤسسات الدولة، بما فيها الحارس العام"، والصندوق القومي اليهودي والقضاء.
ولجأت إسرائيل إلى قوانين الطوارئ والقوانين العسكرية، التي يشبه بعضها القوانين المدنية الإسرائيلية، المصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك في قطاع غزة حتى انسحابها من القطاع من جانب واحد في عام 2005، من أجل بسط وإحكام سيطرتها على تلك الأراضي ببناء وتوسيع المستوطنات وما يرتبط بها من بنية تحتية، وإقامة متنزهات وطنية، ومواقع أثرية، ومناطق عسكرية ومناطق "إطلاق نار". وصادرت السلطات الإسرائيلية في العقد الأول لاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، الأراضي الفلسطينية المملوكة بملكية خاصة بالأساس اعتمادًا على أوامر استيلاء بحجة الحاجة العسكرية إلى تلك الأراضي، وذلك بالإضافة إلى أوامر عسكرية بشأن المصادرة، وأملاك الغائبين والإعلان عن مناطق محددة كـ "مناطق عسكرية مغلقة". وأضفت المحكمة العليا الإسرائيلية الصبغة القانونية على هذه الإجراءات، وهو ما جعل مسألة قانونية المستوطنات في نهاية الأمر غير قابلة للطعن القضائي على المستوى الإسرائيلي.
وبالإضافة إلى القوانين تستخدم إسرائيل مسألة التسجيل الانتقائي لحقوق ملكية الأراضي، وتخصيص الأراضي الفلسطينية المصادرة بطريقة تتسم بالتمييز المجحف لمصلحة الاستيطان اليهودي، كما واستخدمت نظامًا للتنظيم والتخطيط والعمراني يقوم على التمييز المجحف، وذلك بغرض نقل الفلسطينيين قسرًا من أرضهم وممتلكاتهم. وكانت النتيجة الإفقار المتعمد للسكان الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على حد سواء.
وأصبحت عملية تسوية حقوق ملكية الأراضي التي بدأت تحت الانتداب البريطاني قبل عام 1948 أداة إضافية لعملية نزع ملكية الفلسطينيين، التي تقوم بها إسرائيل في شتى أنحاء الأراضي التي تسيطر عليها، والتي مكنت السلطات الاسرائيلية في نهاية الأمر من نقل ملكية ملايين الدونمات مئات الآلاف من الهكتارات من أراضي الدولة إلى الاستيطان اليهودي واتبعت السلطات الإسرائيلية هذه السياسة بشكل مكثف في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أعقاب قرار أصدرته المحكمة العليا في عام 1979، يقضي بأن مستوطنة آلون موريه قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية غير قانونية، لأن الغرض المعلن من إقامتها ليس عسكريًا، وهو ما أجبرها على تقليص استخدام أوامر الاستيلاء إلى حد بعيد.
وبالتوازي مع ذلك، مكنت الحكومة الإسرائيلية القرى والبلدات والمستوطنات اليهودية من استعمال الأراضي التي استولت عليها. وفي إسرائيل والقدس الشرقية، نقلت حيازة الأراضي من الدولة إلى المنظمات والمؤسسات القومية اليهودية التي لا يخدم كثير منها إلا اليهود فقط، بينما تظل الملكية القانونية الرسمية لتلك الأراضي باسم الدولة. وفي بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، اعتمدت الحكومة الإسرائيلية سياسات تسمح بتخصيص أراضي الدولة بشكل حصري تقريبا لمؤسسات وهيئات الدولة الإسرائيلية وشركات القطاعين العام والخاص لمنفعة المستوطنين اليهود الإسرائيليين.
وتستخدم أراضي الدولة في إسرائيل على نطاق واسع في تنمية البلدات والقرى والبلدات اليهودية ويمنع الفلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية فعليًا من استئجار نحو 80 بالمئة من أراضي الدولة. ولا تؤجر الهيئات القومية اليهودية بصورة عامة الأرض لغير اليهود، ولا تقبلهم في مشروعات الإسكان و/ أو التجمعات السكنية التي تقيمها على أراضي الدولة، والتي طورت خصيصًا للمهاجرين اليهود الجدد. كما وأن 13 بالمئة من أراضي الدولة في إسرائيل، أو ما يزيد على 2.5 مليون دونم مملوكة وتدار حصريًا من خلال الصندوق القومي اليهودي للاستخدام الحصري لليهود.
ويشكّل إنشاء وتطوير المستوطنات الاسرائيلية المنافية للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإسكان المدنيين اليهود الإسرائيليين فيها سياسةً حكومية إسرائيلية منذ عام 1967. وقد صودرت 38 بالمئة تقريبا من الأراضي في القدس الشرقية من الفلسطينيين حتى الآن، ومعظمها كانت بملكية خاصة. وقد استخدمت السلطات الإسرائيلية عمليات مصادرة الأراضي الكبيرة هذه لبناء 13 مستوطنة يهودية إسرائيلية في مواقع إستراتيجية لتطويق الأحياء الفلسطينية، ومن ثم عرقلة التواصل الجغرافي والتنمية العمرانية للفلسطينيين.
وفي بقية الضفة الغربية، زادت إسرائيل في الفترة ما بين عامي 1967 و 2009 ، المساحة الإجمالية لأراضي الدولة من حوالي 530 ، 530 ألف دونم إلى 1.4 مليون دونم ، وتقع الأغلبية الساحقة منها في المنطقة المصنفة "ج"، وخصصت ما يقرب من نصفها للاستخدام المدني. ومن بين أراضي الدولة المخصصة لجهات أخرى خصص حوالي 99.76 بالمئة (674,459 دونم) للمنفعة الحصرية للمستوطنات الإسرائيلية، وذلك وفقًا المعلومات قدمها الجيش الإسرائيلي في عام 2018 لجمعية السلام الآن الإسرائيلية. وتغطي المستوطنات اليهودية الآن نحو 10 بالمئة من الضفة الغربية، ولمجالسها المحلية الولاية الإقليمية على 63 بالمئة تقريبا من المنطقة "ج" أو 40 بالمئة من الضفة الغربية) حيث يعيش أغلب المستوطنين. وفي نهاية عام 2020، كان هناك 272 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية يعيش فيها ما يزيد على 441,600 مستوطن إسرائيلي. وحتى يوليو/ تموز 2021، كان 225,178 مستوطنا يهوديا إسرائيليًا إضافيًا يعيشون في القدس الشرقية التي سكنها آنذاك 358,800 فلسطيني.
ويقصد بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، أن تكون أماكن إقامة أو نشاط اقتصادي دائمة لليهود الإسرائيليين، ولتلبية حاجاتهم ليس إلا. وتوفر السلطات الإسرائيلية دعمًا ماليا، وحوافز ضريبية وخدمات وموارد منخفضة التكلفة، لتشجيع اليهود الإسرائيليين على العيش في هذه الأماكن، وتعمل على دعم اقتصاد المستوطنات.
وبينما لم تعد إسرائيل تستولي على المنازل والأرض من الفلسطينيين في قطاع غزة، فهي تستخدم القوة المميتة غير المشروعة للسيطرة على تنقل الفلسطينيين في "المنطقة العازلة" التي تفصل قطاع غزة عن إسرائيل، وتقيده وتمنع دخول الفلسطينيين إلى المنطقة البحرية قبالة ساحل غزة. وتفيد منظمات حقوق الإنسان بأن "المنطقة العازلة" تمتد لمسافة تتراوح بين 300 متر و 1,500 متر من السياج وتغطي إجمالاً 62 كيلومترًا مربعًا تقريبا، أو حوالي 17 بالمئة من المساحة الإجمالية لقطاع غزة. وهي تغطي ما يزيد على 35 بالمئة من الأراضي الزراعية في غزة. ومن ناحية أخرى، تغطي المنطقة البحرية التي يمنع دخولها 85 بالمئة من مياه الصيد التابعة للقطاع.
سياسات التنظيم والتخطيط التي تتسم بالتمييز المجحف
بالترافق مع نظام ملكية الأراضي وتوزيعها وتخصيصها، كان لسياسات التنظيم والتخطيط دور محوري في تحقيق السياسات الإسرائيلية الخاصة بإرساء السيطرة اليهودية وتهميش المجتمعات الفلسطينية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد استخدم التخطيط في توسيع الوجود اليهودي الإسرائيلي في المواقع الإستراتيجية وبناء بلدات ومدن ومستوطنات يهودية وعرقلة التوسع الجغرافي للبلدات والمراكز الفلسطينية، وتنظيم استعمال الأرض وإمكانية وصول الفلسطينيين إلى الأرض لتنميتها، وذلك عن طريق تنظيم تلك الأراضي وتحديد استعمالها وتصنيفها كمساحات خضراء، أو مناطق صناعية، أو مناطق عسكرية. واستخدم مثل هذا التخطيط، على سبيل المثال، لتطويق القرى والبلدات الفلسطينية، أو محو القرى الفلسطينية التي هدمت بعد عام 1948، من خلال تحديدها كمناطق عسكرية أو كمتنزهات وطنية.
وفي جميع المناطق التي تمارس فيها إسرائيل السيطرة الكاملة في إسرائيل، والقدس الشرقية والمنطقة "ج" في الضفة الغربية)، يحدّد مخطط تنظيمي محلي عام سياسة تحديد استعمال الأراضي الأغراض مثل السكن والصناعة، والمساحات الخضراء. ويُستخدم هذا المخطط كأساس قانوني لمنحتراخيص البناء، وهو الرافعة الأساسية التي تتيح الحكومة المركزية من خلالها التنمية والتطوير المحلي. ولا يمكن في إسرائيل والقدس الشرقية، إعداد مخطط تنظيمي محلي عام إلا على يد هيئة حكومية رسمية بموجب قانون التخطيط والبناء لعام 1965. غير أن مخططي الدولة لا يضعون تقريبا أي مخططات تنظيمية كافية للقرى والبلدات الفلسطينية تتماشى مع حاجات السكان المحليين.
وبالمثل، لا يسمح نظام التخطيط الذي تتبعه الإدارة المدنية الإسرائيلية في المنطقة "ج" بالضفة الغربية بأي تمثيل أو مشاركة فلسطينية فاعلة ضمنه، ونتيجة لذلك فإنه لا يضع أي اعتبار لحاجات السكان الفلسطينيين، ويفضّل باستمرار مصالح المستوطنين الإسرائيليين. وفي الوقت نفسه، تستخدم الإدارة المدنية الإسرائيلية تفسيرًا انتقائيا للقانون الأردني، مصرّةً بذلك على ضرورة أن يتطابق التنظيم والتخطيط مع مخططات الانتداب البريطاني التي عفا عليها الزمان، وترفض بشكل معتاد طلبات رخص البناء استنادًا إلى ذلك.
وتؤدي هذه الإجراءات المتسمة بالتمييز المجحف إلى البناء دون ترخيص، ومن ثم إلى الهدم، في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وكانت النتيجة هي الغياب الكامل لأي تنمية فلسطينية جديدة. فقد أنشأت إسرائيل منذ عام 1948 ما يزيد على 700 قرية وبلدة لليهود في إسرائيل، بينما لم تنشئ أي قرية أو بلدة جديدة للفلسطينيين باستثناء بلدات البدو التي خططتها الدولة في النقب بهدف التمدن القسري للبدو.
وحسب تقدير للمنظمة غير الحكومية مركز مساواة لحقوق المواطنين العرب في إسرائيل"، فقد أقام الفلسطينيون من حملة الجنسية الإسرائيلية حوالي 50 ألف منشأة دون تصاريح بناء في عام 2019. ووفقًا لقانون التخطيط والبناء لعام 1965، يمكن للسلطات الإسرائيلية المختصة هدم أو تفكيك أو إزالة" أي بناء أو منشأة أقيمت دون رخصة بناء، وقد يتحمل مالكه تكاليف الهدم فضلاً عن دفع غرامة أو السجن أو كليهما. وكان 97 بالمئة من أوامر الهدم الإدارية التي صدرت في الفترة ما بين عامي 2012 و 2014 بحق ما تسميه السلطات الإسرائيلية الوسط العربي، الذي يضم أساسا الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والأقلية الدرزية الأصغر حجمًا بكثير.
وتعتبر منطقة النقب مثالاً واضحًا على الطريقة التي صُمِّمت بها سياسات التخطيط والبناء الإسرائيلية التي تتسم بالتمييز المجحف، من أجل استفادة اليهود الإسرائيليين من الأراضي والموارد إلى أقصى حد على حساب حقوق الفلسطينيين في الأرض والسكن. فبدلا من تحديد مناطق قرى البدو الفلسطينيين في النقب كمناطق سكنية من خلال التنظيم والتخطيط، تحدّد السلطات الإسرائيلية تلك القرى والأراضي المحيطة بها منذ السبعينيات كمناطق عسكرية وصناعية وعامة واعترفت إسرائيل على مر السنين بإحدى عشرة قرية بدوية، لكن 35 من هذه القرى لا تزال تعتبر قرى غير معترف بها، ويُعتبر سكانها من واضعي اليد بطريقة غير قانونية، ولا يمكنهم طلب الحصول على تراخيص بناء لتقنين بيوتهم القائمة أو الجديدة، لأن الأراضي ليست محدّدة على أنها مناطق سكنية. ونتيجة لذلك، هُدمت مباني مجتمعات بأكملها بشكل متكرر. وعلى النقيض من ذلك، أقرّت المحاكم الإسرائيلية بأثر رجعي التجمعات اليهودية التي أقيمت دون مخططات أولية وتراخيص بناء في المنطقة نفسها. وبسبب غياب الحالة القانونية الرسمية لتلك القرى، لا توفر السلطات الإسرائيلية لها أي بنية تحتية أو خدمات ضرورية مثل الرعاية الصحية أو التربوية، وليس للسكان أي تمثيل في الهيئات الحكومية المحلية المختلفة، حيث لا يمكنهم التسجيل أو المشاركة في الانتخابات البلدية.
وبالمثل، كان للرفض المتعمد لإقرار مخططات تنظيمية هيكلية للأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية أثر فادح على المجتمعات الفلسطينية، إذ عرقل تطويرها، بما في ذلك توفير المساحات العامة والمدارس والمناطق التجارية لإتاحة فرص للعمل. ويعيش الفلسطينيون في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية وشديدة الكثافة السكانية في القدس الشرقية، حيث يتعرضون لأزمة سكن حادة، بينما تتعرض أحياء بأكمها لخطر الهدم بسبب البناء غير المرخص.
ويمثل الفلسطينيون حاليًا حوالي 60 بالمئة من سكان القدس الشرقية، لكن سلطات التخطيط الإسرائيلية لم تخصص سوى 15 بالمئة فقط من الأراضي لسكن الفلسطينيين مع تخصيص 2.6 بالمئة من هذه الأرض للمباني العامة. ووفقًا لبيانات جمعية السلام الآن، كانت 16.5 بالمئة فقط من طلبات تراخيص البناء التي تم قبولها في القدس في الفترة من عام 1991 إلى عام 2018 للفلسطينيين في القدس الشرقية بالمقارنة مع 37.8 بالمئة للمستوطنات اليهودية في القدس الشرقية. وكانت النسبة الباقية من الطلبات التي أقرت للقدس الغربية.
وفي المنطقة "ج" بالضفة الغربية، كانت النتيجة العملية لنظام التنظيم والتخطيط العمراني الذي يتسم بالتمييز المجحف هو عدم السماح للفلسطينيين بالبناء إلا على حوالي نصف بالمئة (نحو 1,800 هكتار) من مساحة المنطقة "ج"، ومعظم هذه المنطقة مبنية أصلا. ومن ناحية أخرى، خصصت السلطات الإسرائيلية 70 بالمئة من الأرض في المنطقة "ج" لصالح المستوطنات الاسرائيلية. وفي يوليو/ تموز 2019 وعد مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي بمنح تراخيص لبناء 715 وحدة سكنية للفلسطينيين. وفي المقابل وعد بمنح تراخيص بناء لإنشاء ستة آلاف وحدة سكنية للمستوطنين اليهود وبحلول نهاية يونيو/ حزيران 2020، لم يكن قد صدر سوى رخصة بناء واحدة فقط للفلسطينيين. وعلى النقيض من ذلك، صدر 1094 ترخيص بناء للمستوطنات اليهودية في الفترة ما بين يوليو/تموز 2019 ومارس / آذار 2020.
عرقلة التنمية البشرية الفلسطينية
أدت اللامساواة المتعمدة في معاملة الفلسطينيين على مدى عقود في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل إلى تهميش الفلسطينيين، وتعرضهم لظلم اقتصادي واجتماعي ممنهج وواسع النطاق حيث يُحرمون من المساواة في الوصول إلى الموارد الطبيعية والمالية، وفرص العمل وكسب الرزق والرعاية الصحية والتعليم. وكان من شأن المعاملة التي تتسم بالتمييز المجحف، وتخصيص السلطات الإسرائيلية الموارد لمنفعة المواطنين اليهود الإسرائيليين في إسرائيل والمستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن تفاقم من انعدام المساواة على أرض الواقع.
ففي شتى أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، يعيش ملايين الفلسطينيين في مناطق كثيفة السكان تفتقر عمومًا إلى التنمية والبنية التحتية والخدمات الأساسية الكافية مثل جمع القمامة والكهرباء، ووسائل النقل العام، والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي. وفي المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، مثل النقب، والقدس الشرقية، والمنطقة "ج" بالضفة الغربية، يرتبط الحرمان من الخدمات الأساسية ارتباطاً مباشرًا بسياسات التنظيم والتخطيط التي تتسم بالتمييز المجحف، ويُقصد به خلق ظروف معيشة لا تحتمل لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم، وللسماح بتوسع الاستيطان اليهودي. وفضلا عن ذلك، تؤدي السياسات الإسرائيلية، القائمة على الإقصاء والتفرقة والقيود المشددة على التنقل في جميع أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى صعوبات تعرقل وصول الفلسطينيين إلى الرعاية الصحية، بما في ذلك العلاج الضروري الطارئ لإنقاذ الحياة، وإلى التعليم، وذلك بالرغم من أن إسرائيل تتحمل المسؤولية بموجب القانون الدولي لتوفير مثل هذه الخدمات لا لسكانها فحسب، بل للفلسطينيين الذين يعيشون تحت احتلالها العسكري. وعندما يتمكن الفلسطينيون من الحصول على هذه الخدمات، يكون مستوى تلك الخدمات عمومًا أدنى من تلك المقدمة للمواطنين الإسرائيليين اليهود. وتؤثر هذه السياسات تأثيرًا سلبيًا حادًا في ضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين وتمنعهم من تحقيق إمكانياتهم البشرية.
ويتعرض الفلسطينيون الذين يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة لظلم لا لبس فيه وفقًا لكل مؤشرات الرفاه التي تتوفر معايير بشأنها. فهم يعانون أعلى معدلات من الفقر، ومستويات أدنى للمشاركة بالقوة العاملة، والتحصيل التعليمي والصحة من اليهود الإسرائيليين، بما في ذلك المستوطنون الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة. ويُعد افتقار الفلسطينيين إلى التمتع بمجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية نتيجةً مباشرة لعزلهم ليس عن اليهود الإسرائيليين فحسب، بل عن بعضهم البعض أيضًا، من خلال قيود مشدّدة على التنقل، وإخضاع التنمية البشرية الفلسطينية للمصالح الاقتصادية الاجتماعية لليهود الإسرائيليين. وتبقي إسرائيل الهيمنة اليهودية على الاقتصاد الفلسطيني من خلال الإقصاء والإهمال المتعمد للمجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل، ومن خلال إنشاء نظام من التعلق والتبعية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في سياق احتلال عسكري طويل الأمد.
وتعتبر الفوارق الاقتصادية الاجتماعية بين الفلسطينيين واليهود من حملة الجنسية الإسرائيلية نتيجة للسياسات المتسمة بالتمييز المجحف التي اتبعت على مدى عقود. فقد منعت إسرائيل مواطنيها الفلسطينيين تاريخيًا من الوصول إلى سبل كسب الرزق في ظل حكمها العسكري الذي استمر 18 عاما، واستغلتهم في أوقات مختلفة، كمصدر للعمالة الرخيصة من أجل الحفاظ على مصالح الأغلبية اليهودية. وبالإضافة إلى عمليات السلب والاستيلاء القاسية على الأراضي، أدّت سياسات أخرى تتسم بالتمييز المجحف إلى حرمان الفلسطينيين اقتصاديًا واجتماعيًا. وتشمل هذه السياسات استبعاد القرى والبلدات الفلسطينية من قوائم المناطق ذات الأولوية العالية فيما يتعلق بالتطوير والتنمية وتخصيص الأراضي ومياه الزراعة بطريقة تتسم بالتمييز المجحف، فضلا عن سياسة التنظيم والتخطيط التمييزية، وعدم تنفيذ مشاريع تطويرية للبنية التحتية في المجتمعات الفلسطينية.
وبدون مخططات تنظيمية هيكلية، لا تستطيع المجتمعات الفلسطينية تخصيص أراضي للإسكان والاستخدام الصناعي أو إقامة البنية التحتية اللازمة للتنمية الاقتصادية. ولا يقع الآن سوى 2 بالمئة من المناطق الصناعية في إسرائيل، التي تدر دخلاً ضريبيًا كبيرًا، داخل مناطق القرى والبلدات الفلسطينية التي تفتقر إلى التواصل الكافي مع المناطق الأخرى من إسرائيل بوسائل النقل العام أو الطرق الرئيسية. ونتيجة لذلك، تفتقر المجتمعات الفلسطينية في إسرائيل إلى البنية التحتية اللازمة للتنمية الاقتصادية وهو ما يجبر سكانها على البحث عن فرص عمل في القطاع اليهودي، حيث يتعرضون لتمييز ممأسس مجحف عند التنافس على الوظائف.
كما يتعرض هؤلاء الفلسطينيون للتمييز المجحف في تخصيص الموارد العامة التي يُوزّع معظمها على القرى والبلدات اليهودية. فعلى سبيل المثال، تجمع السلطات المحلية الفلسطينية عوائد ضرائب أقل. وهو ما يعود إلى حد بعيد للفارق في العائدات الضريبية غير السكنية أو الضرائب التجارية، وهذا بدوره نتيجة للسياسات الإسرائيلية التي تتسم بالتمييز المجحف. كما تتلقى القرى والبلدات الفلسطينية دعمًا ماليا أقل من الحكومة المركزية لدعم أوجه إنفاق محددة مثل خدمات التعليم والرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والثقافية. ووفقًا لمسح أجراه المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء في عام 2018، فقد بلغ الإنفاق العام الشهري على التعليم والثقافة في القطاع اليهودي ما يقرب من ثلاثة أضعاف الإنفاق الشهري عن كل فرد في القطاع العربي ذي الأغلبية الفلسطينية).
وكان لسياسات إسرائيل القائمة على شرذمة الأراضي وفصلها عن بعضها البعض، وهي السياسة التي اتبعت في سياق احتلال عسكري طويل الأمد طويل الأمد، تأثير فادح مدمّر على أداء الاقتصاد الفلسطيني في شتى أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث جعلته مفككا، وضعيفًا، وخاضعًا لأهداف إسرائيل الجغرافية الديموغرافية، وجعلته عاجزا عن تحقيق تنمية مستدامة وعادلة للسكان الفلسطينيين. وقد تحسن الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة على مدى العقود الأخيرة فيما يتعلق ببعض الحقوق الاجتماعية، بما في ذلك نسب وفيات الأمهات، ومستويات محو الأمية، ومعدلات التعليم والتطعيم ضد الأمراض، ومع ذلك فقد ظلت مستويات المعيشة تتسم بالركود أو التدهور بشكل عام، ولاسيما فيما يخص الحصول على الرعاية الصحية، وفرص العمل والتعليم، والمسكن.
وقد أدت اتفاقية باريس الاقتصادية لعام 1994 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى ترسيخ تبعية الاقتصاد الفلسطيني لإسرائيل عن طريق منظومة جمركية لا تترك مجالاً لسياسات اقتصادية فلسطينية مستقلة، ويُخضع الأراضي الفلسطينية المحتلة لسياسات تجارية وهيكل تعريفات جمركية ولضريبة القيمة المضافة في إسرائيل. وقد ظل الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة راكدًا فعليًا منذ عام 1999 ويعاني الاقتصاد الفلسطيني من العديد من القيود الإسرائيلية على التجارة التي تؤثر على إنتاج الصادرات والسلع التي يمكن استيرادها. وتسيطر إسرائيل على جميع المنافذ ونقاط العبور التي تمر منها الصادرات والواردات الفلسطينية تقريبا، حيث يزيد التأخير والإجراءات الأمنية التكاليف بمقدار 538 دولارًا أمريكيًا في المتوسط للشحنة، وهو ما يؤدي إلى عجز تجاري فلسطيني كبير ومستمر.
وبالإضافة إلى ذلك، فرضت إسرائيل في عام 2007 سياسة الاستخدام المزدوج التي تفرض قيودا على دخول أي سلع ترى أنها قد يكون لها استخدام عسكري إلى جانب الاستخدام المدني، بما في ذلك السلع الكيميائية والتكنولوجية وتتسم قائمة السلع التي تخضع لهذه السياسة، وتضم 117 سلعة بالغموض، بما في ذلك فئات مثل معدّات الاتصالات، أو معدات دعم الاتصال، أو المعدات التي لها وظائف تتعلق بالاتصال"، كما وتشمل سلعا تدخل في الاستخدامات اليومية، مثل الأجهزة المنزلية والمعدات الطبية. ويقتصر تطبيق هذه السياسة على المورّدين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ولا تنطبق على نظرائهم الإسرائيليين أو حتى على الموردين من المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكان لتلك السياسة تأثير جسيم مدمّر على الاقتصاد الفلسطيني بوجه عام، وخصوصا على قطاعات الزراعة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتصنيع، وكان لها وقع الكارثة في قطاع غزة على وجه الخصوص.
ومن ناحية أخرى، أدى قيام السلطات الإسرائيلية بفصل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية منذ الانتفاضة الثانية، إلى إعاقة قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى سُبل كسب الأرزاق، وهمشت إلى حد كبير دور المدينة بصفتها المركز التجاري الرئيسي للضفة الغربية. ووفقًا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فقد انكمش الاقتصاد الفلسطيني في القدس الشرقية بنسبة 50 بالمئة تقريبا في الفترة ما بين عامي 1993 و 2013، بينما سبب الجدار خسائر مباشرة تزيد على مليار دولار أمريكي للفلسطينيين في القدس الشرقية في السنوات العشر الأولي منذ بدء بنائه. وفي أنحاء الضفة الغربية الأخرى، تؤدي القيود التي تفرضها إسرائيل على التنقل إلى تكبد الفلسطينيين حوالي 60 مليون ساعة عمل ضائعة سنويًا (ما يعادل نحو 274 مليون دولار أمريكي)، وفقًا لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وقد تسبب الحصار والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في خسائر ضخمة في البنية التحتية الأساسية لقطاع غزة، وزاد من تدهور نظامه الصحي واقتصاده، وهو ما جعل المنطقة في حالة أزمة إنسانية مستمرة. فقد خلق العقاب الجماعي الإسرائيلي لسكان غزة المدنيين، وأغلبهم أطفال، ظروفا غير مواتية للحياة الإنسانية، بسبب نقص المساكن ومياه الشرب والكهرباء، وتعذّر الوصول إلى الأدوية الأساسية والرعاية الصحية والغذاء، والمعدات الخاصة بالتعليم، ومواد البناء.
وبحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فقد انخفض نصيب قطاع غزة من الاقتصاد الفلسطيني في الفترة ما بين عامي 2007 و 2018 من 31 بالمئة إلى 18 بالمئة بسبب الحصار الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، دفع بما يزيد على مليون فلسطيني إلى ما تحت خط الفقر، وزاد معدل الفقر من 40 بالمئة في عام 2007 إلى 56 بالمئة في عام 2017. ورسخ هذا اعتماد ما يزيد على 80 بالمئة من السكان على المساعدات الإنسانية الدولية. وتفاقم انهيار اقتصاد غزة بسبب الحصار أيضا نتيجةً لأربع هجمات عسكرية إسرائيلية في السنوات الثلاث عشرة الماضية والتي أحدثت دمارًا هائلا في الممتلكات المدنية والبنى التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء والمياه والمجاري، والصرف الصحي، بالإضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 2,700 مدني فلسطيني وإصابة ونزوح عشرات الآلاف غيرهم. وخلال هذه الفترة، أطلقت الجماعات الفلسطينية المسلحة آلاف الصواريخ بشكل عشوائي اتجاه المدن والبلدات في إسرائيل، مما أدى إلى مقتل أو إصابة عشرات المدنيين. وقد أشارت تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في عام 2019 إلى أن تكلفة العمليات العسكرية الثلاث التي قامت بها إسرائيل في غزة في الفترة ما بين عامي 2008 و 2014، بلغت نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للقطاع.
كان لقيود التنقل المشددة تأثير ضار في القطاع الزراعي بشكل خاص. فقبل عام 1967، كان القطاع الزراعي يوظف نحو ربع القوة العاملة في الضفة الغربية، وكان يساهم بما يقارب من ثلث ناتجها المحلي الإجمالي ومن صادراتها. وبعد الاحتلال حرمت السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين واقتصادهم من 63 بالمئة من أكثر الأراضي الزراعية خصوبة وأفضلها للرعي في المنطقة "ج"، من خلال بناء المستوطنات والجدار، وفرض قيود مشددة على تنقل الفلسطينيين وقدرتهم على الوصول إلى أراضيهم.
وأدى الجدار إلى عزل ما يزيد على 10 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وهو ما أثر بشكل مباشر على 219 بلدة وقرية فلسطينية، وحرمان 80 بالمئة تقريبا من المزارعين الفلسطينيين الذين يملكون أراضي في "منطقة التماس" الواقعة بين الجدار والخط الأخضر، من إمكانية الوصول إلى تلك الأراضي. ويتعين على المزارعين الذين يرغبون في الوصول إلى أراضيهم الزراعية في منطقة التماس" الحصول على تصاريح عسكرية، وهي تصاريح يلزم تجديدها بشكل متكرر. ولا يُسمح لمن يتمكنون من الحصول على تلك التصاريح بالوصول إلى الأراضي إلا سيرًا على الأقدام ومن خلال البوابات الزراعية المحددة التي يتم تدوينها في التصاريح ذاتها.
وبالإضافة إلى ذلك، تمنع إسرائيل وصول الفلسطينيين إلى ما يزيد على 35 بالمئة من الأرض الزراعية في غزة و 85 بالمئة من منطقة الصيد على سواحلها، وتفرض ذلك عن طريق "المنطقة العازلة"، والمنطقة البحرية المحظورة. ولم يعد بإمكان ما يُقدّر بنحو 178 ألف شخص من بينهم 113 ألف مزارع الوصول إلى الأراضي الزراعية في المنطقة العازلة". هذا ويقوم الجيش الإسرائيلي منذ عام 2014 برش المحاصيل الفلسطينية على طول السياج بين غزة وإسرائيل بمبيدات الأعشاب من الجو، ما أدى الى فقدان سبل كسب الرزق لمزارعي غزة، إلى جانب عواقب صحية بعيدة الأثر. وبالرغم من أن إسرائيل تدعي أن الرش بالمبيدات يهدف إلى "إتاحة تنفيذ العمليات الأمنية بشكل مثالي ومستمر"، فإنها لم تقدم أي دليل يدعم هذا الادعاء.
وقامت إسرائيل منذ اكتشاف النفط والغاز قبالة ساحل غزة بتغيير ترسيم الساحل البحري لغزة بشكل متكرر، فقلصته في بعض الأحيان إلى ثلاثة أميال بحرية فقط. ويؤثر الافتقار إلى الوصول إلى مياه الصيد الكافية على نحو 65 ألف شخص من أهالي غزة، وإلى إفقار ما يقرب من 90 بالمئة من الصيادين. وبالإضافة إلى ذلك، تستخدم القوات البحرية الإسرائيلية القوة المميتة ضد صيادي غزة الذين يعملون قبالة الساحل وتغرق قواربهم وتصادرها.
وبالإضافة إلى حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى سبل الرزق من خلال القيود المشددة على التنقل قامت السلطات الإسرائيلية بطريقة ممنهجة وغير قانونية بالاستيلاء على موارد الفلسطينيين الطبيعية من أجل المنفعة الاقتصادية لمواطنيها في إسرائيل وفي المستوطنات، فيما يمثل انتهاكا للقانون الدولي. ومن شأن استغلال إسرائيل للموارد الفلسطينية الطبيعية من أراض زراعية خصبة ومياه ونفط وغاز وأحجار ومعادن البحر الميت، أن يحرم الفلسطينيين من إمكانية الوصول المتكافئ إلى مواردهم أو الفرصة لإدارتها وتنميتها والانتفاع منها. ويُعرقل ذلك بشدة إمكانية وصولهم إلى سُبل كسب الرزق وحقوقهم الاقتصادية الاجتماعية، مثل الحق في الغذاء والحق في مستوى معيشي ملائم.
وتؤدي سيطرة إسرائيل على موارد المياه والبنية التحتية المرتبطة بالمياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى تفاوت صارخ بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود وتفرض السلطات الإسرائيلية قيودًا على إمكانية وصول الفلسطينيين إلى المياه في الضفة الغربية من خلال أوامر عسكرية تمنعهم من بناء أي منشآت جديدة تخص المياه دون الحصول مسبقًا على تصريح من الجيش الإسرائيلي. ولا يمكن للفلسطينيين حفر آبار جديدة أو تركيب مضخات أو تعميق الآبار القائمة، كما يُمنعون من الوصول إلى نهر الأردن وينابيع المياه العذبة. وتسيطر إسرائيل حتى على جمع مياه الأمطار في معظم أنحاء الضفة الغربية وكثيرا ما يُدمر الجيش الإسرائيلي صهاريج جمع مياه الأمطار المملوكة للمجتمعات الفلسطينية. ومن ناحية أخرى شحت مياه الخزان الجوفي الساحلي في قطاع غزة بسبب إفراط إسرائيل في استخراج المياه منه، كما وتلوّث الخزان بتسرب مياه المجاري ومياه البحر إليه، مما جعل حوالي 95 بالمئة من مياهه غير صالحة للاستهلاك البشري. ونتيجة لهذه السياسات، يبلغ متوسط استهلاك الفرد الفلسطيني للمياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة قرابة 70 لترا في اليوم، حيث يستهلك نحو 420 ألف شخص في الضفة الغربية 50 لترا في اليوم فقط، وهو ما يقل عن ربع متوسط الاستهلاك الإسرائيلي الذي يبلغ 300 لتر للفرد تقريبا. ويبلغ متوسط الاستهلاك اليومي من المياه بالنسبة للمستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات الإسرائيلية 369 لترا للفرد، أي نحو ستة أضعاف الكمية التي يستهلكها الفلسطينيون. ووفقًا للأمم المتحدة، يتعين على 90 بالمئة من الأسر المعيشية في غزة التي تعاني أصلا من سياسات الإفقار شراء المياه من محطات التحلية أو التنقية بتكلفة تزيد بما يتراوح بين 10 أضعاف و 30 ضعفًا عن تكلفة مياه الأنابيب.
وتمارس الحكومة الإسرائيلية التمييز المجحف عند تقديم الاعتمادات المالية للنظام الصحي الذي يخدم الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، بالرغم من أن صحتهم أسوأ من نظرائهم الإسرائيليين اليهود، ولا توفر أي منشآت كافية للرعاية الصحية للبدو الفلسطينيين الذين يعيشون في قرى غير معترف بها في النقب، وهو ما يرغمهم على السفر مسافات طويلة لطلب الرعاية الطبية. ويتبين ذلك في التفاوت الصحي الكبير بين السكان اليهود والسكان العرب وأغلبيتهم فلسطينيون)، حيث إن سجل السكان العرب أسوأ في جميع الحالات في الإحصاءات الرسمية. فعلى سبيل المثال، كان معدل وفيات الأطفال بين العرب من حملة الجنسية الإسرائيلية في عام 2019 5.4) لكل ألف ولادة)، أي ما يزيد عن ضعفي المعدل للإسرائيليين اليهود 2.4 لكل ألف ولادة).
ولا يقتصر تأثير الاحتلال العسكري الإسرائيلي على مدى نصف قرن في الضفة الغربية وقطاع غزة على مستوى صحة الفلسطينيين فحسب، بل يؤثر كذلك في قدرتهم على الحصول على الرعاية والعلاج الضروريين، وخصوصا العلاج المتخصص للحالات الطبية الخطيرة الذي لا يتوفر في كثير من الحالات إلا في القدس الشرقية أو إسرائيل أو الخارج. ويتعين على من تتم إحالتهم للعلاج الطبي في القدس الشرقية أو إسرائيل أن يتقدموا بطلب للحصول على تصريح عسكري إسرائيلي لأسباب إنسانية، ومن الصعب الحصول على مثل هذه التصاريح، وكثيرًا ما تصدر متأخرة أو ما يتم رفضها. ولنظام التصاريح تأثير فادح على وجه الخصوص على صحة الفلسطينيين في غزة، حيث أدى الحصار، فضلا عن أزمة الطاقة المزمنة، إلى الحد من توفر الخدمات الصحية ونوعيتها، ودفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار.
وأخيرًا، فإن إسرائيل تمارس التمييز المجحف ضد الطلبة الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والقدس الشرقية الذين يتلقون تمويلا أقل من نظرائهم اليهود في جميع مستويات التعليم المدرسي. وقد كشف تحليل أجراه مركز مساواة لميزانية وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية لعام 2016 عن أن الطلبة العرب ( وأغلبيتهم فلسطينيون المنتمين إلى خلفيات مهمشة يتلقون تمويلاً لكل ساعة تعليم في مرحلة التعليم الأساسي يقل بنسبة 30 بالمئة عما يتلقاه الطلاب اليهود المنتمين إلى الوضع الاقتصادي الاجتماعي ذاته، ويقل بنسبة 50 بالمئة في مستوى المدارس الإعدادية وبنسبة 75 في المئة في مستوى المدارس الثانوية.
نظام الأبارتهايد
أنشأت إسرائيل نظامًا ممأسسا يقوم على القمع الممنهج للفلسطينيين والهيمنة الممنهجة عليهم وبغية إدامته، وهو نظام يُفرض في شتى أنحاء إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال قوانين وسياسات وممارسات تتسم بالتمييز المجحف، ويتبين عند النظر إليه بشكل مجمل أنه يسيطر فعليًا على كل جانب من جوانب حياة الفلسطينيين، وينتهك حقوقهم الإنسانية بشكل معتاد.
وقد بنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نظام الأبارتهايد هذا وحافظت عليه على مدى عقود في شتى أنحاء الأراضي التي تسيطر عليها، بغض النظر عن الحزب السياسي الذي كان يتولى السلطة في ذلك الوقت. وقد أخضعت إسرائيل فئات فلسطينية مختلفة لمجموعات متباينة من القوانين والسياسات والممارسات التي تتسم بالتمييز المجحف والإقصاء في فترات مختلفة، مستعينة بالمكاسب التي حققتها على مستوى الاستحواذ على الأراضي، أولا في عام 1948 ثم في عام 1967 عندما ضمت القدس الشرقية واحتلت بقية الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى مدى عقود شکلت اعتبارات إسرائيل الديموغرافية والجغرافية السياسية جوهر السياسات المتبعة إزاء الفلسطينيين في كل من هذه المناطق.
وعلى الرغم من أن نظام الأبارتهايد الإسرائيلي يتضح بأشكال متباينة في المناطق المختلفة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل الفعلية، فله في جميع الحالات الهدف ذاته وهو قمع الفلسطينيين والهيمنة عليهم لصالحمنفعة الإسرائيليين اليهود الذين يتمتعون بامتيازات عديدة بموجب القانون المدني الإسرائيلي، بغض النظر عن المكان الذي يقيمون فيه. وقد صُمِّم هذا النظام بهدف الحفاظ على أغلبية يهودية ساحقة تتمتع بإمكانية الوصول والاستفادة من أكبر قدر ممكن من المناطق والأراضي التي تم الاستحواذ أو السيطرة عليها، مع فرض قيود على حق الفلسطينيين في الطعن في نزع ملكية أراضيهم وممتلكاتهم. ويُطبق هذا النظام في كل مكان تسيطر فيه إسرائيل بشكل فعلي على المناطق والأراضي أو على ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم. ويتحقق ذلك في القانون والسياسة والممارسة العملية، وينعكس في خطاب الدولة منذ إنشائها وحتى اليوم.
وإذا كان القانون الدولي ينطبق بطريقتين مختلفتين على الوضعين في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن هذا لا يعفي التمييز المحظور القائم ضد الفلسطينيين في أي من المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. فمعاملة إسرائيل للفلسطينيين داخل إسرائيل يحكمها القانون الدولي لحقوق الإنسان وليس القانون الدولي الإنساني. أما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فسلوك إسرائيل تحكمه قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بالاحتلال العسكري قانون الاحتلال) وكذلك التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ويسمح قانون الاحتلال، بل ويتطلب في بعض الحالات بوجود فرق في المعاملة بین مواطني دولة الاحتلال وسكان الأرض المحتلة. لكنه لا يسمح لدولة الاحتلال بأن تفعل ذلك حينما يكون الغرض منه إقامة أو إدامة نظام من الاضطهاد والهيمنة بشكل عنصري وممنهج.
أن الإجراءات المتمثلة في التهجير القسري المستمر لأغلبية الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم، بين عامي 1947 و 1949، ثم في عام 1967؛ والترحيل القسري والنقل القسري، والقيود التعسفية على حريتهم في التنقل، والحرمان من حقوق المواطنة وحق العودة، وسلب أراضيهم وممتلكاتهم على نحو عرقي وعنصري، والتمييز المجحف اللاحق في تخصيص وتوزيع الموارد الطبيعية (بما في ذلك الأرض والمسكن والمياه والسماح بالوصول إليها، تتضافر جميعًا ليس فقط لإعاقة تمتع الفلسطينيين بحقوقهم بما يشمل إمكانية الوصول إلى سُبل الرزق، وفرص العمل والرعاية الصحية والأمن الغذائي، والمياه والصرف الصحي، وفرص التعليم، بل أيضا لضمان عدم قدرة الفلسطينيين، كأفراد أو كمجتمعات، على التمتع بحالة قانونية مساوية لحالة الإسرائيليين اليهود في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، والحالات الأخرى التي تمارس فيها إسرائيل السيطرة على إمكانية تمتع الفلسطينيين بحقوقهم وبشكل خاص حق العودة.
ويعتبر التمييز العنصري ضد الفلسطينيين وتفرقتهم نتيجةً لسياسة حكومية متعمدة. فالانتهاكات التي ترتكب بشكل منتظم لحقوق الفلسطينيين ليست تكرارًا بالصدفة لمخالفات، وإنما هي جزء من نظام ممأسس يقوم على الاضطهاد والهيمنة الممنهجين.
جرائم ضد الإنسانية
في إطار عملية إقامة وإدامة نظام من الاضطهاد والهيمنة على الفلسطينيين، تُرتكب بشكل ممنهج على أيدي إسرائيل والأفراد الذين يعملون لصالحها أفعال غير إنسانية ووحشية تحظرها اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي.
وقد درست منظمة العفو الدولية، على وجه التحديد الأفعال اللا إنسانية أو الوحشية المتمثلة في التهجير القسري، والاعتقال الإداري والتعذيب والقتل غير المشروع وإلحاق أضرار جسيمة والحرمان من الحريات الأساسية أو الاضطهاد المرتكبة ضد السكان الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تُفرض من خلال منظومة القوانين والسياسات، والممارسات المتسمة بالتمييز المجحف الموصوف أعلاه. وخلصت المنظمة إلى أن أنماط الأفعال المحظورة التي تواصل إسرائيل القيام بها، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمثل جزءًا من اعتداء ممنهج وواسع النطاق موجه ضد السكان الفلسطينيين، وأن الأفعال اللاإنسانية أو الوحشية المرتكبة في سياق هذا الاعتداء ارتكبت بغرض إدامة هذا النظام، وهي ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد بموجب كل من اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي.
عمليات التهجير القسري
تطبق إسرائيل عددًا كبيرًا من القوانين والسياسات الإرغام الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على الانحصار في جيوب منعزلة صغيرة أو على مغادرة الأراضي كليا. ففي منطقة النقب في إسرائيل، وفي القدس الشرقية والمنطقة "ج" اللتين تخضعان للسيطرة الإسرائيلية الكاملة في الضفة الغربية تفرض السلطات الإسرائيلية أنظمة متماثلة للتخطيط والبناء ضد السكان الفلسطينيين بحيث تؤدي إلى أنماط متماثلة وواسعة النطاق من هدم المنازل والممتلكات، بما في ذلك المنشآت التي تتصل مباشرة بسبل كسب الرزق، بذريعة عدم الحصول على تراخيص للبناء. وهي تحرم المجتمعات في هذه المناطق من الخدمات الأساسية، ولا تتخذ، في حالة الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي إجراء ضد الهجمات العنيفة التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون. وتخلق هذه السياسات مجتمعة بيئة من الإكراه تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.
ويجد الفلسطينيون أنفسهم في دائرة مفرغة. فإسرائيل تقتضي منهم الحصول على ترخيص للبناء أو حتى لإقامة منشأة مثل الخيمة، لكنها نادرًا ما تصدر لهم ترخيصاً. ومن ثم يلجأ الفلسطينيون، بغرض إيجاد مأوى أو من أجل تطوير مجتمعاتهم، إلى البناء دون ترخيص، فتقوم القوات الإسرائيلية بهدم تلك المنشآت بحجة أنها بنيت دون ترخيص. وعلى النقيض من ذلك، تسمح السلطات الإسرائيلية دون قيود بتعديل المخططات التنظيمية للنهوض بالتطوير عندما تنشئ بلدات يهودية في إسرائيل أو مستوطنات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقد هدمت إسرائيل منذ عام 1948 عشرات الآلاف من المنازل وغيرها من الممتلكات الفلسطينية في شتى أنحاء المناطق الواقعة تحت ولايتها وسيطرتها الفعلية. ويشمل هذا تدمير ما يزيد على 500 قرية فلسطينية فيما أصبح إسرائيل عقب الصراع من عام 1947 إلى عام 1949. وصار الذين تضرروا بذلك من بين أكثر المجتمعات فقرًا وتهميشا سواء في إسرائيل أو في المجتمع الفلسطيني، وهم في أغلب الحالات لاجئون أو مهجرون داخليًا مضطرون للاعتماد على عائلاتهم والجهات الفاعلة في المجال الإنساني للحصول على المأوى ومصادر الرزق.
وبصورة مماثلة، أدّى إلغاء إسرائيل لحق الإقامة الدائمة لآلاف الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى عملیات تهجير قسري.
وبالإضافة إلى ذلك، دمرت إسرائيل عمدًا منازل وأجبرت مدنيين على النزوح خلال العمليات العسكرية وحولت عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى مهجرين ومشردين بلا مأوى وتشير الأدلة إلى أنه في معظم أعمال التدمير لم تكن ثمة ضرورة عسكرية تبررها وأنها ترقى إلى مستوى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. ويتبين من النظر إلى هذه الانتهاكات في سياق نظام الاضطهاد والهيمنة أنها تساهم في الإبقاء على نظام الأبارتهايد هذا وتنطوي السياسات والقوانين والإجراءات الرسمية الإسرائيلية التي تتسم بالتمييز المجحف ضد الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة على الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الترحيل أو التهجير القسري بموجب كل من نظام روما الأساسي، واتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري.
الاعتقال الإداري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة
تستخدم السلطات الإسرائيلية الاعتقال الإداري على نطاق واسع منذ احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967، لاعتقال آلاف الفلسطينيين، ومن بينهم أطفال دون تهمة أو محاكمة بموجب أوامر اعتقال قابلة للتجديد والتمديد. وقد استخدم نظام القضاء العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة هذه الأوامر لسجن آلاف الفلسطينيين، ومن بينهم أطفال لمدة أشهر بل ولسنوات في بعض الحالات. وعادة ما تستخدم إسرائيل الاعتقال الإداري ضد المحتجين السياسيين ضد الاحتلال. وعلى النقيض من ذلك، نادرا ما استخدم الاعتقال الإداري لاعتقال مواطنين يهود إسرائيليين.
وقد يكون الاعتقال الإداري مشروعًا في بعض الظروف، لكن استخدامه بطريقة ممنهجة من جانب إسرائيل ضد الفلسطينيين يشير إلى أنه يُستخدم لاضطهاد الفلسطينيين، وليس كإجراء أمني انتقائي وغير عادي. ولذلك تعتبر منظمة العفو الدولية كثيرًا من المعتقلين الفلسطينيين رهن الاعتقال الإداري من بين سجناء الرأي المعتقلين كعقاب على آرائهم التي تتحدى سياسات الاحتلال.
كما قام جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، ومصلحة السجون الإسرائيلية، والقوات العسكرية الإسرائيلية على مدى عقود بتعذيب المعتقلين الفلسطينيين أو معاملتهم بأشكال مختلفة من المعاملة السيئة ومن بينهم أطفال، أثناء القبض عليهم ونقلهم للاعتقال وخلال استجوابهم. ويستخدم جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أساليب قاسية بوجه خاص للحصول على معلومات و"اعترافات". ومن بين الأساليب المستخدمة التي يبلغ عنها المعتقلون الفلسطينيون بشكل متواتر التكبيل والربط بشكل مؤلم، والتثبيت في أوضاع مجهدة، والحرمان من النوم، والتهديدات والمضايقات الجنسية والحبس الانفرادي لفترات مطولة، والإساءات اللفظية.
وقد قبلت محاكم إسرائيلية أدلة كانت قد انتزعت عن طريق تعذيب الفلسطينيين، وقبلت مبرر "الضرورة" لذلك. ومن النادر للغاية أن تجري السلطات الإسرائيلية تحقيقات وافية ومحايدة على وجه السرعة في ادعاءات الفلسطينيين بتعرضهم للتعذيب، وهو ما يشكل فعليًا موافقة الدولة على جريمة التعذيب.
ويمثل استخدام إسرائيل الواسع النطاق والممنهج للاعتقال التعسفي والاعتقال الإداري، والتعذيب على نطاق واسع ضد الفلسطينيين، فيما يُعد انتهاكًا جسيمًا للقواعد الأساسية للقانون الدولي وأعرافه القاطعة، جزءًا من سياسة الدولة القائمة على الهيمنة والسيطرة على السكان الفلسطينيين. كما يمثل جزءًا من اعتداء الدولة الواسع النطاق والممنهج على السكان الفلسطينيين، ويمثل جريمتي "السجن أو غيره من أشكال الحرمان القاسي من الحرية الجسدية" و"التعذيب" وهما من الجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي واتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري.
أعمال القتل غير المشروع وإلحاق الإصابات الجسيمة
منذ عام 1967، قتلت القوات الإسرائيلية وأصابت آلاف المدنيين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع إفلات شبه كامل من العقاب والمساءلة، وكثيرًا ما كان ذلك في ظروف توحي بأن أعمال القتل كانت ممنهجة وتعسفية وغير قانونية وارتكبت أعمال القتل والإصابات هذه خارج سياق النزاع المسلح، وذلك خلال أنشطة إسرائيلية لإنفاذ القانون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك خلال عمليات قمع مظاهرات ومداهمات اعتقال وعند فرض قيود على السفر والتنقل، وعند إجراء عمليات اقتحام وتفتيش.
وفي بعض الحالات استهدفت القوات الإسرائيلية عمدًا على ما يبدو العاملين في المجال الطبي والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان خلال المظاهرات.
وبالرغم من الأدلة الوفيرة على وقوع أعمال قتل بشكل غير مشروع، فإن منظمة العفو الدولية لا تعلم بأي حالة أدين فيها أحد أفراد قوات الأمن الإسرائيلية بالتسبب عمدًا في وفاة فلسطيني في الأراضي المحتلة منذ عام 1987. وبصفة عامة، فإن المحاكمات بالغة الندرة. وفي حالة صدور أحكام بالإدانة، كان الجنود المعنيون يدانون بتهمة القتل غير المتعمد أو بتهم أقل خطورة.
وهناك أيضًا نمط يتمثل في قيام أفراد من قوات الأمن أو العناصر الأمنية الإسرائيلية بقتل فلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، بما في ذلك في سياق مظاهرات للاحتجاج على السياسات والممارسات الإسرائيلية التي تتسم بالتمييز المجحف، وذلك في ظروف تشير إلى أن أعمال القتل كانت غير مشروعة.
وتعكس أنماط استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين خلال عمليات فرض القانون، والمعلومات المتاحة عن "قواعد الاشتباك" العسكرية الإسرائيلية، وكذلك تصريحات مسؤولين إسرائيليين في أعقاب مثل هذه العمليات وخاصة خلال المظاهرات، وجود سياسة مخططة ودؤوبة لإطلاق النار بهدف قتل أو تشويه الفلسطينيين. وتتسق هذه الأنماط مع الأفعال اللاإنسانية والوحشية المتمثلة في القتل العمد" و"الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدًا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية"، أو "إلحاق أذى خطير بدني أو عقلي، بأعضاء في فئة أو فئات عنصرية"، وذلك بموجب نظام روما الأساسي واتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري.
الحرمان من الحقوق والحريات الأساسية، والاضطهاد
يمثل ما تقوم به إسرائيل من حرمان ممنهج من الحق في المواطنة والقيود الشديدة المفروضة على التنقل والإقامة، بما في ذلك الحق في مغادرة البلاد والعودة إليها، تجاوزا لما يمكن تبريره بموجب القانون الدولي. وقد استهدف التطبيق واسع النطاق لهذه الإجراءات تجاه السكان الفلسطينيين بشكل يتسم بالتمييز المجحف على أساس هويتهم العرقية كفلسطينيين، مما أثر على مشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، وعرقلة مقصودة لتطورهم ونمائهم الكامل كمجموعة انسانية. كما تقوّض هذه القيود التمتع بمجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في حرية الرأي والتعبير، والحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، والحق في التماس سُبل العيش، وفي العمل والصحة والغذاء والتعليم.
ومن خلال حرمان السكان الفلسطينيين من الحقوق الإنسانية الأساسية على مدى سنوات من السياسات المتعمدة التي تتسم بالتمييز المجحف والإقصاء والتصريحات الرسمية المنعكسة في الممارسات العملية، تكون السلطات الإسرائيلية قد ارتكبت جريمة ضد الإنسانية أو أفعالاً لا إنسانية أخرى ذات طابع مماثل والمتمثلة بالاضطهاد"، وفق التعريف الوارد في نظام روما الأساسي، وكذلك "الحرمان من حريات الإنسان وحقوقه الأساسية"، بقصد منع فئة أو فئات عنصرية من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وتعمد خلق ظروف تحول دون النماء التام لهذه الفئة أو الفئات"، وفق التعريف الوارد في اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري.
الاعتبارات الأمنية وقصد الاضطهاد والهيمنة
بموجب القانون الدولي، يقع على إسرائيل التزام بحماية جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية وسيطرتها من العنف. وفي سياق النزاعات الدولية المسلحة والاحتلال العسكري، قد تكون هناك ظروف تستند فيها معاملة فئات مختلفة بشكل متباين إلى أسس قانونية دون أن يشكل ذلك مخالفة لمبدأ حظر التمييز المجحف. وقد تجيز الاعتبارات الأمنية المشروعة معاملة مخالفة ضد الفلسطينيين، إلا أن السياسات المتعلقة بالأمن يجب أن تلتزم بالقانون الدولي، وأن تضمن أن تكون أي قيود على الحقوق ضرورية ومتناسبة مع التهديد الأمني.
ولكن منظمة العفو الدولية قد أظهرت أن السلطات الإسرائيلية اتبعت سياسات تتعمد التمييز المجحف ضد الفلسطينيين على مدى فترة طويلة وعلى نحو يتسم بالقسوة الشديدة، وبأشكال لا يوجد لها أساس معقول في اعتبارات الأمن أو "الدفاع". فعلى سبيل المثال، لا يوجد مبرر أمني لحرمان الفلسطينيين بصورة قاسية تتسم بالتمييز المجحف على مدى طويل من الوصول إلى أراضيهم وممتلكاتهم، التي تم الاستيلاء عليها بشكل عنيف ينطوي على التمييز المجحف ولا يوجد أساس أمني للعزل الفعلي للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية من خلال قوانين تنطوي على التمييز المجحف بخصوص التنظيم والتخطيط وإمكانية الحصول على المسكن، أو لحرمانهم من حقهم في المطالبة بممتلكاتهم ومنازلهم التي تم الاستيلاء عليها بموجب قوانين عنصرية. وبالمثل لا يمكن إيجاد مبرر بالاستناد إلى الاعتبارات الأمنية للتدخل التعسفي الذي يتسم بالتمييز المجحف في حق الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية في الزواج، وفي نقل الحق في الإقامة إلى من يتزوجون وإلى أطفالهم، في غياب أدلة على أن أشخاصاً بعينهم يشكلون تهديدًا.
وفي سياق احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، يمكن لبعض القيود على حقوق الإنسان أن تكون جائزة بموجب القانون الدولي الإنساني، إذا ما طبقت بحسن نية. إلا أن تبرير المعاملة المتباينة لا يمكن أن يشمل إمكانية استيطان يهود إسرائيليين في الأراضي المحتلة، كما إنه لا يمكن أن يشمل أعمال القتل العمد والقتل المستهدف والتعذيب والترحيل والتهجير القسري للسكان، وهي الأعمال التي ترتكب في الأراضي الفلسطينية المحتلة على مدى سنوات.
وقد بينت منظمة العفو الدولية أن سياسات أخرى برّرتها إسرائيل بذرائع أمنية دائما ما نفذت بشكل يتسم بالتمييز المجحف وعدم التناسب على نحو جسيم، مما تسبب بانتهاكات واسعة وممنهجة للحقوق الإنسانية للفلسطينيين. وهذه السياسات تشمل سياسات فرض قيود واسعة النطاق وشديدة وطويلة الأمد على حرية التنقل في الضفة الغربية وقطاع غزة.
نتائج وتوصيات
ببین مجمل نظام القوانين والسياسات والممارسات التي عرضتها منظمة العفو الدولية، أن إسرائيل قد أقامت وأبقت على نظام ممأسس من الاضطهاد والهيمنة على السكان الفلسطينيين لصالح اليهود الإسرائيليين نظام أبارتهايد في كل الأماكن التي سيطرت فيها إسرائيل على حياة الفلسطينيين منذ عام 1948. وقد خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن دولة إسرائيل تعتبر الفلسطينيين فئة عرقية "غير يهودية" دنيا وتعاملهم على هذا الأساس. وتطبق سياسات العزل والتفرقة بشكل ممنهج وعلى نحو ممأسس عالي المستوى من خلال قوانين وسياسات وممارسات تهدف جميعها إلى منع الفلسطينيين من المطالبة والتمتع بحقوق متكافئة مع الإسرائيليين اليهود داخل أراضي إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ثم يُقصد منها قمع الشعب الفلسطيني والهيمنة عليه. ويكمل هذا النظام نظام قانوني يسيطر على حق اللاجئين الفلسطينيين المقيمين خارج إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في العودة إلى ديارهم عن طريق نفي هذا الحق).
ويُعد تفكيك نظام الأبارتهايد القاسي هذا أمرًا جوهريا لملايين الفلسطينيين الذين لا يزالون يعيشون في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك لعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين لا يزالون مهجرين في البلدان المجاورة ويقيم الكثير منهم على مسافة حوالي 100 كيلومتر من ديارهم الأصلية، وذلك حتى يتسنى لهم التمتع بحقوقهم الإنسانية دون تمييز مجحف ومن بين توصيات أخرى أكثر تحديدا، فإن منظمة العفو الدولية تدعو إسرائيل إلى إزالة جميع إجراءات التمييز المجحف والتفرقة والعزل والقمع السارية حاليا ضد السكان الفلسطينيين، وإلى إجراء مراجعة لجميع القوانين والأنظمة والسياسات والممارسات التي تتسم بالتمييز المجحف على أسس عنصرية أو عرقية أو دينية، تمهيدًا لإلغائها أو تعديلها بما يتماشى مع القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويتعين على إسرائيل منح جميع الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة حقوقهم الإنسانية الكاملة بشكل متكافئ، بما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ودون تمييز مجحف مع ضمان احترام أشكال الحماية المكفولة للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب القانون الدولي الإنساني. كما ينبغي عليها الإقرار بحق اللاجئين الفلسطينيين وأبنائهم وأحفادهم في العودة إلى المنازل التي كانوا يعيشون فيها، أو كانت عائلاتهم تعيش فيها داخل إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على إسرائيل أن تقدّم تعويضات كاملة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، والجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ولعائلاتهم. ويجب أن تشمل التعويضات رد وإرجاع ملكية جميع الممتلكات التي تم الاستحواذ عليها على أساس عرقي إضافة الى التعويض عنها إلى أصحابها.
ويتضح بجلاء من نطاق وجسامة الانتهاكات الموثقة في التقرير الحالي أن ثمة حاجة لأن يغير المجتمع الدولي، على وجه السرعة وبشكل جذري نهجه فيما يخص النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وأن يقرّ بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والواقع أن المجتمع الدولي، على مدى أكثر من سبعة عقود، قد وقف ساكنا، بينما أطلق العنان لإسرائيل لكي تنزع ملكية الفلسطينيين، وتعزلهم وتفرقهم، وتفرض سيطرتها عليهم، وتقمعهم، وتهيمن عليهم. وظلت القرارات العديدة التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على مر السنين دون تنفيذ، وظلت إسرائيل لا تواجه أي عواقب للأفعال التي تمثل انتهاكا للقانون الدولي، فيما عدا الإدانات الشكلية. وفي الوقت نفسه، فإن تناول الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، في إطار القانون الدولي الإنساني وحده وبمعزل عن الانتهاكات المرتكبة ضد الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية، لم يعالج الأسباب الجذرية للنزاع، ولم يحقق أي شكل من المحاسبة والعدالة بالنسبة للضحايا.
ونتيجة لعدم اتخاذ إجراءات فعّالة لمحاسبة إسرائيل عما ترتكبه بشكل ممنهج واسع النطاق من انتهاكات وجرائم يشملها القانون الدولي ضد السكان الفلسطينيين، فقد ساهم المجتمع الدولي في تقويض النظام القانوني الدولي، كما شجع إسرائيل على مواصلة ارتكاب جرائم مع الإفلات من العقاب. والواقع أن بعض الدول قد دعمت الانتهاكات الإسرائيلية بشكل نشط، عن طريق تزويد إسرائيل بالأسلحة والمعدات وغيرها من الأدوات اللازمة لارتكاب جرائم يشملها القانون الدولي، ومن خلال توفير الغطاء الدبلوماسي لها، بما في ذلك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لحمايتها من المساءلة. وبذلك، فإن هذه الدول خذلت تماما الشعب الفلسطيني، وفاقمت من معاناة التجربة الحياتية للفلسطينيين فيما يخص اعتبارهم ذوي حقوق أقل، ومكانة أدنى من اليهود الإسرائيليين.
وإذا كان التغيير في نهاية المطاف لا يمكن أن يأتي إلا من داخل إسرائيل، فإن بوسع المجتمع الدولي أن يتخذ إجراءات ملموسة للضغط على إسرائيل من أجل تفكيك نظام الأبارتهايد. فالجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد تستتبع مسؤولية جنائية دولية فردية، وهي مسؤولية تنطبق على الأفراد وأعضاء المنظمات وممثلي الدولة الذين يرتكبون ويشاركون في ارتكاب هذه الجريمة. ومن ثم، يتعين على إسرائيل نفسها، والسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية، أن تبادر جميعها بالتحقيق في ارتكاب جريمة الأبارتهايد بموجب القانون الدولي.
ويجوز لجميع الدول أن تمارس الولاية القضائية العالمية على جميع الأشخاص المشتبهون بمستوى معقول بارتكاب جريمة الأبارتهايد، بينما يقع على عاتق الدول الأطراف في اتفاقية قمع جريمة الفصل العنصري الالتزام بأن تفعل ذلك، بما يشمل مقاضاة ومحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن الجريمة. وهذا يعني أنه يجب على الدول، إذا ما قدمت إليها أدلة معقولة بأن شخصا ما والمتواجد في نطاق أراضيها أو سيطرتها يُشتبه على نحو معقول في مسؤوليته الجنائية، أن تبادر بإجراء تحقيقات جنائية فعالة ومحايدة على وجه السرعة، أو تبادر بتسليم المشتبه فيهم إلى ولاية قضائية أخرى لكي تتولى ذلك.
وبعد حوالي ست سنوات على إعلان مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية عن بدء فحص أولي بخصوص الوضع في فلسطين"، خلصت الدائرة التمهيدية في المحكمة، في فبراير/ شباط 2021، إلى أن "الاختصاص الإقليمي للمحكمة في حالة فلسطين يشمل الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية"، مما يمهد الطريق لإجراء تحقيق في الجرائم التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 13 يونيو/ حزيران 2014. وأعلنت المدعية العامة للمحكمة، في 3 مارس / آذار 2021، أن مكتبها شرع في فتح تحقيق بخصوص الجرائم بموجب نظام روما الأساسي، التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن ثم، فإن منظمة العفو الدولية تدعو مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى النظر في صلاحية إدراج جريمة الأبارتهايد كجريمة ضد الإنسانية في سياق تحقيقها الرسمي الحالي.
وبالرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية قد قضت بأن ولايتها القضائية تشمل الجرائم التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب نظام روما الأساسي، فإن ولايتها القضائية لا تمتد إلى الجرائم المرتكبة داخل إسرائيل نفسها. ومن ثم، يجب على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضمان أن يُقدّم إلى المحاكمة مرتكبو الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد وغيرها من الجرائم التي يشملها القانون الدولي في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك إما بإحالة الوضع برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو إنشاء محكمة دولية لمحاكمة من يُزعم أنهم ارتكبوا تلك الجرائم. كما ينبغي على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يفرض عقوبات عينية من قبيل تجميد الأصول، على المسؤولين الإسرائيليين الأكثر ضلوعاً في جريمة الأبارتهايد، وأن يفرض حظراً شاملاً على إمداد إسرائيل بالأسلحة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعيد إنشاء اللجنة الخاصة المعنية بالأبارتهايد، التي أنشئت أصلاً في نوفمبر/ تشرين الثاني 1962، لكي تتولى التركيز على جميع الحالات بما في ذلك إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، التي يُرتكب فيها الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان والجريمة ضد الإنسانية المتمثلين في الأبارتهايد، وكذلك لكي تمارس ضغوط على المسؤولين من أجل تفكيك نظم الاضطهاد والهيمنة تلك.
وينبغي على جميع الحكومات والقوى الإقليمية الفاعلة، وخاصةً تلك التي تربطها علاقات دبلوماسية وثيقة مع إسرائيل، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، والمملكة المتحدة وكذلك الدول التي تمضي قدمًا في تعزيز روابطها مع إسرائيل، مثل بعض الدول العربية والإفريقية، ألا تدعم نظام الأبارتهايد، أو تقدم المعونة أو المساعدة لإدامة مثل هذا النظام، كما ينبغي عليها التعاون من أجل إنهاء هذا الوضع غير القانوني. وكخطوة أولى، ينبغي على هذه الدول والقوى أن تقرّ بأن إسرائيل ترتكب جريمة الأبارتهايد، وغيرها من الجرائم الدولية، وأن تستخدم أدواتها السياسية والدبلوماسية كافة الضمان قيام السلطات الإسرائيلية بتنفيذ التوصيات الواردة في التقرير الحالي، وأن تراجع جميع أشكال التعاون والأنشطة المشتركة مع إسرائيل لضمان أنها لا تسهم في إدامة نظام الأبارتهايد. كما تجدد منظمة العفو الدولية دعوتها التي طال أمدها إلى دول العالم من أجل الوقف الفوري لجميع الإمدادات المباشرة وغير المباشرة، أو عمليات البيع أو النقل لجميع الأسلحة والذخائر، وغيرها من المعدات العسكرية والأمنية بما في ذلك تقديم التدريب وغيره من المساعدات العسكرية والأمنية. وأخيرًا، تدعو المنظمة الدول إلى فرض وتنفيذ حظر على منتجات المستوطنات الإسرائيلية.
وينبغي على السلطة الفلسطينية من جانبها، أن تضمن أيضًا أن أي شكل من أشكال التعاملات مع إسرائيل، وفي مقدمتها التعاملات من خلال التنسيق الأمني، لا يساهم في إدامة نظام الأبارتهايد ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما ينبغي عليها، عند الضرورة ووفقًا للمعايير الدولية أن توثّق الآثار التمييزية للأبارتهايد الذي تمارسه إسرائيل تجاه السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكي يتسنى لها تقديم أدلة عن تلك الآثار للمحاكم الدولية وغيرها من الهيئات ذات الصلة.
وتقع على عاتق الشركات أيضًا مسؤولية تقييم أنشطتها في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، والتأكد من أنها لا تسهم في نظام الأبارتهايد، ولا تستفيد منه. كما يجب عليها أن تعالج مثل هذا الأثر في حالة وقوعه، وأن توقف الأنشطة ذات الصلة إذا كان من المتعذر تفادي هذا الأثر. وأخيرًا ينبغي على المنظمات الإنسانية والتنموية المحلية والدولية أن تزيد من أنشطة دعوات المناصرة، سواء على المستوى العام أو الخاص، مع الحكومة الإسرائيلية من أجل إنهاء التمييز المجحف والتفرقة والعزل، في القانون وفي السياسات والممارسات ضد الفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية والفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك من خلال أنشطة دعوات المناصرة مع الجهات المانحة، وأن تجري تقييما دقيقا ومستمرا لجميع المشروعات وبرامج المساعدات المقدمة للفلسطينيين لضمان أنها تنفّذ على نحو لا يؤدي إلى ترسيخ أو دعم أو إدامة التمييز المجحف ضد الفلسطينيين أو تفرقتهم أو عزلهم.
المصدر: منظمة العفو الدولية. "نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظام قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية". لندن: منظمة العفو الدولية، 2022، ص. 8-32.