تصدر حركة "فتح" بيانها الدولي الأول، باللغتين الإنكليزية والعربية، "لتوضيح موقفها من قوات الاحتلال الإسرائيلي وتنوير الرأي العام العالمي بصدد الأبعاد والمعاني لنضالها من أجل تحرير فلسطين". ويربط البيان، الذي يتضمن نحو 1,500 كلمة، نشوء الحركة بفشل الأمم المتحدة في حل مشكلة "شعب بأكمله، يشكّل الأكثرية العربية في فلسطين والذي اقتُلع وطُرد من وطنه"؛ وبحقيقة أن "عدداً من زعماء العرب استغلوا، عبر السنين، القضية الفلسطينية لمنفعتهم الخاصة"؛ وبكون منظمة التحرير الفلسطينية "لم تنبع من الجماهير أنفسها، وإنما فُرضت من فوقها بشكل مصطنع". ويسرد البيان أعمال الحركة على المستوى الشعبي وعلى مستوى حرب العصابات، منذ إنشائها، وبشكل خاص عقب حرب 1967، ويؤكد أن عملياتها "لا تستهدف الشعب اليهودي، كشعب يهودي". وفي الختام، تعلن "فتح" عن ثقتها في أنه مع النصر "ستبدأ حقبة جديدة يعيش فيها الفلسطينيون واليهود، مرة ثانية، بانسجام، وجنباً إلى جنب مع أصحاب الأرض الأصليين الفلسطينيين العرب".
إذا كانت الحركة الوطنية الفلسطينية واجهت المسألة اليهودية في إطار تصورها مستقبل الأقلية اليهودية التي نشأت عن هجرات اليهود المتوالية إلى فلسطين قبل سنة 1948، فهي واجهت هذه المسألة، بعد وقوع النكبة ، في إطار موقفها إزاء الدولة التي نجحت الحركة الصهيونية في إقامتها فوق الأرض الفلسطينية وإزاء سكانها اليهود.
الدولة الديمقراطية: الإقرار بالوجود اليهودي في فلسطين
بعد وقوع نكبة فلسطين، ساد في الخمسينيات موقف يقوم على مماهاة
وبنشوء منظمة التحرير الفلسطينية ، في سنة 1964، غابت تلك المماهاة بين الصهيونية واليهودية، وحدث تطوّر على الموقف من مستقبل الوجود اليهودي في فلسطين. فبعد أن رفض "الميثاق القومي الفلسطيني " لسنة 1964 "دعوى الروابط التاريخية أو الروحية بين اليهود وفلسطين"، ونظر إلى اليهودية "بوصفها ديناً سماوياً ليست قومية ذات وجود مستقل" وإلى اليهود على أنهم "ليسوا شعباً واحداً له شخصيته المستقلة"، أكد أن اليهود "الذين هم من أصل فلسطيني" يُعتبرون "فلسطينيين إذا كانوا راغبين بأن يلتزموا العيش بوفاء وسلام في فلسطين " مع سكانها العرب، لكن من دون أن يوضّح واضعو ذلك "الميثاق" قصدهم من الإشارة إلى اليهود من أصل فلسطيني. بينما أكد "الميثاق الوطني الفلسطيني " لسنة 1968 أن اليهود الذين لهم حق البقاء في فلسطين، بعد تحريرها، هم اليهود "الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها"، من دون أن يحدد تاريخاً دقيقاً لبدء هذا الغزو.
وسعت حركة "فتح
" بعد نجاحها في صيف سنة 1968 في السيطرة على هيئات منظمة التحرير الفلسطينية، لضمان الاعتراف بهذه المنظمة بصفتها "ممثل" الشعب الفلسطيني، وراحت تبحث، وخصوصاً بعد موافقة مصر
والأردن
على قرار
وفي ربيع العام نفسه، أوضح أحد أبرز قادتها، صلاح خلف (أبو إياد)، موقف الحركة إزاء هذه المسألة بتأكيده أن حق المواطنة في الدولة الفلسطينية الديمقراطية سيكون مكفولاً لكل يهودي "ليس فقط يعمل ضد الصهيونية، بل حتى طهّر نفسه من الأفكار الصهيونية، بمعنى أنه اقتنع بأن الأفكار الصهيونية دخيلة على المجتمع الإنساني". وبغية المساهمة في تحقيق ذلك، أشار خلف إلى أهمية إبراز الطبيعة الإنسانية وغير العنصرية للثورة الفلسطينية، بحيث "نوضح حقيقة موقفنا الإنساني من اليهودي كإنسان"، ونقنعه "أننا في حقيقتنا لسنا، كما تصوّرنا الصهيونية، برابرة نريد ذبحه ورمي أطفاله ونسائه في البحر"، ودعا الدول العربية إلى أن تبدي استعدادها "لاستقبال جميع اليهود الذين هاجروا منها إلى فلسطين وأن تُعاد لهم ممتلكاتهم وحقوقهم المدنية كمواطنين عرب في هذه البلاد على قدم المساواة مع المواطنين العرب الآخرين"، واستغلال التناقضات القائمة داخل المجتمع الإسرائيلي وخصوصاً بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين.
وقد أثار تبني حركة "فتح" هذا الهدف سجالاً غنياً على الساحة الفلسطينية، تميّزت في إطاره مواقف كلٍ من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
و
أمّا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد انطلقت، عند تأسيسها في سنة 1969، من وجود مسألتين ينبغي حلهما، هما "المسألة الفلسطينية" و"المسألة الإسرائيلية"، معتبرة أنه تكوّن "شعب يهودي" على الأرض الفلسطينية يحق له أن يتمتع بالمساواة التامة في "الدولة الفلسطينية الديمقراطية"، وأن يطوّر ثقافته القومية. وفي سياق دعوتها إلى تبني "حل ماركسي-لينيني صحيح" للمسألتين الفلسطينية والإسرائيلية، أعربت الجبهة عن رفضها "الحلول الشوفينية والرجعية الصهيونية القائمة على الاعتراف بدولة إسرائيل"، و "الحلول الشوفينية الفلسطينية والعربية، المطروحة قبل حزيران/ يونيو 1967 وبعده، القائمة على ذبح اليهود ورميهم بالبحر"، مشدّدة على ضرورة النضال من أجل حل ديمقراطي شعبي لهاتين المسألتين "يقوم على إزالة الكيان الصهيوني، ممثلاً بكافة مؤسسات الدولة: الجيش، الإدارة والبوليس، وكافة المؤسسات السياسية والنقابية الشوفينية والصهيونية، وإنشاء دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، يعيش فيها العرب واليهود دون تمييز، دولة ضد كافة ألوان القهر الطبقي والقومي مع إعطاء الحق لكل من العرب واليهود في تنمية وتطوير الثقافة الوطنية لكل منهما". ودعت الجبهة إلى مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي والشروع في حوار مع جميع اليهود "التقدميين" في إسرائيل والعالم، ودعوتهم إلى "المشاركة في حركة التحرر الوطني الفلسطينية"، وخوض"قتال مشترك مع الفلسطينيين "على طريق تحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية"، وأقدمت بالفعل على إجراء حوار مع منظمة يسارية إسرائيلية صغيرة تروتسكية التوجه، باسم "ماتزبن "، كانت تتبنى فكرة قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين.
نحو الاعتراف الضمني بوجود إسرائيل
إذا كانت نتائج
فقد أقرّت الدورة الثانية عشرة لـ المجلس الوطني الفلسطيني ، التي التأمت في القاهرة في مطلع حزيران 1974، "البرنامج السياسي المرحلي" الذي دعا إلى إقامة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة" على كل جزء من الأرض الفلسطينية يتم تحريره، معتبراً أن أية خطوة تحريرية تتم هي "حلقة لمتابعة تحقيق استراتيجية منظمة التحرير في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية". ثم طوّرت منظمة التحرير الفلسطينية هذا الهدف، في الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة في آذار/ مارس 1977، عندما استبدلت الحديث عن "سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها"، بالإشارة الصريحة إلى "الدولة الفلسطينية المستقلة" على التراب الوطني، مع تجنّب أي ذكر للدولة الديمقراطية الفلسطينية، كما أسبغت صفة رسمية على الاتصالات التي كانت قد بدأتها قيادة حركة "فتح"، منذ سنة 1975، مع بعض القوى الإسرائيلية المستعدة للحوار مع منظمة التحرير، وذلك بتأكيدها "أهمية العلاقة والتنسيق مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية في داخل الوطن المحتل وخارجه التي تناضل ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة".
نحو الاعتراف الصريح بوجود دولة إسرائيل
بعد اندلاع الانتفاضة الأولى
، ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية خطوة جديدة إلى الأمام على طريق إقرارها بوجود دولة إسرائيل، وذلك عندما تبنت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في
وبعد خمس سنوات تقريباً على اتخاذ هذا الموقف، وتتويجاً للمفاوضات السرية التي جرت في مدينة